اعتذارُ الضحية واتهامُ الحق (إبراهيم عميس)

د. ابراهيم علي عميس – الحوارنيوز
في جنوبٍ عرف الاحتلال والحرب، لا يسقط البيت وحده. ثمة ما ينهار في مكانٍ أبعد من الحجر: في الطريقة التي ينظر بها بعض الناس إلى ما يحدث، بعدما امتدّ تزييف الحقيقة إلى الوعي نفسه، فأربك قدرتهم على تسمية ما يجري بأسمائه.
تأمّل هذا المشهد: امرأةٌ تقف أمام ركامٍ، تبحث بين الإسمنت المكسور عن صورةٍ أو شيءٍ عزيز. أو عائلةٌ مهجَّرة تنتظر العودة إلى بيتٍ قد مُحي. وفي الوقت نفسه، يكتب شخصٌ بعيد، لم يشمّ رائحة الركام قط، أن هذه المرأة أو تلك العائلة تتحمّل بعض المسؤولية عمّا أصابها.
عجبا وحيرة حين نرى: ان يصبح سؤال «لماذا قاو..م.تم؟» أكثر رنينًا وحضورًا من سؤال «من هدم البيت؟»
هذه ليست صدفة، بل نتيجة. فحين تتكرر الصدمات، ويتراكم العجز أمام اختلال موازين القوى، يبدأ الإنسان، بوعيٍ أو من دونه، بتبنّي رواية الأقوى، كأنّ في مجاراته نجاةً، وفي الاصطفاف خلفه أمانًا وهميًا.
توصف هذه الحالة بـ«التماهي مع المعتدي» (Identification with the Aggressor)، حيث يتبنّى بعض الأفراد رواية الطرف الأقوى بحثًا عن شعورٍ وهمي بالأمان. ثم يأتي ما هو أخطر: اقتناعٌ بأن الم.ق.او.م.ة عبث، وأن العلّة ليست في العدوان، بل في الاعتراض عليه. ومع مرور الوقت، قد تتطور هذه الحالة إلى ما يُعرف بـ«العجز المكتسب» (Learned Helplessness)، حيث يقتنع الإنسان بأن مقاومة الظلم لا جدوى منها. عند هذه النقطة، لا تعود العين ترى من موقع صاحب الحق، بل من موقع من سلبه.
فيختلّ ميزان الأسئلة كلّه. وتُسهم بعض الخطابات الإعلامية في ما يُعرف بـ«قلب السردية» (Narrative Reversal) و«تطبيع العنف» (Normalization of Violence)، حيث يُصوَّر المعتدي في موقع الدفاع، بينما تُحمَّل الضحية مسؤولية ما وقع عليها.
فيختلّ ميزان الأسئلة كلّه. تُصاغ الرواية بحيث يصبح مقتل جنديٍّ على أرضٍ محتلة حدثًا يستوجب ردًّا قاسيًا، بينما يُقدَّم قتل المدنيين وتهجيرهم ثمنًا طبيعيًا للحرب، على الضحية أن تتحمّله. يُطالَب صاحب الحق بتبرير حقّه، ويُعفى المعتدي من تبرير فعله.
والخوف من الحرب مفهوم، والرغبة في السلام غريزة. لكن الخوف لا يصير حقًّا، والسعي إلى الاستقرار لا يُسقط الفارق بين من هدم ومن هُدم عليه بيته. فالمسألة، في جوهرها، ليست مع الحرب أو ضدها، بل مع الحق أو ضده.
ولعلّ أفدح ما تخلّفه الحروب ليس الركام، بل ذلك التحوّل الصامت: حين يألف الناس الظلم حتى يغدو عاديًا، ويرتاب المظلوم في حقّه حتى يكاد يعتذر عنه. حينها لا تكون الخسارة في الأرض وحدها، بل في الإنسان نفسه؛ في امرأةٍ تقف أمام بيتها المهدوم، وقد علّموها أن تسأل نفسها: تُرى، هل كان الذنب ذنبي؟


