حدا يقلّو.. إنو محلّو ما في حدا (عمار مروة)

بقلم عمار مروة – الحوارنيوز – بلجيكا

عَبَرَ زياد مشقّة ان يكون في زمانه وازمنة اجيال من سياتي بعده ايضاً !.
عاش عمره كما يحب وينبغي له كفنان استثنائي وقائد ومناضل طليعي لا مثيل له ! .
تملّى زياد عمره لجيل او جيلين او ربما ثلاثه او اربعة سيأتون بعده ليجدوه بينهم عندما يحتاجونه حياً ومعاصراً وكأنه لم يفارق .
أجيال ستفتقده وهي تطل عليه كفنان نموذجي استثنائي لا يُحاكى ولا يُطال !.
أجيال عديدة ستأتي بعده لتتملاه بما كان وما يرمز له وما سيبقى منه وبه إلى الأبد شاهقاً عالياً غنياً ممتلئاً ، لا يُحاكى !.
أكاد اجزم ان اول من سيتملاه ويدرسه ويستفيض فيه وفي حضوره وبقائه كنموذج فذ، هم الفنانون الحقيقيون الكبار اللبنانيون والعرب او غيرهم ممن عرفوه وعرفوا ماذا يمثل بانجازاته العظيمه الكثيره التي قد لا تتكرر !.
زياد فنان عاش زمانه وما بعد بعد زمانه حتى الثماله .
عاشها إلى ما بعد آخر نقطه من مجرى ماء نبع عمره وعمر جيله الذي يعتبر نفسه محظوظاً انه عاصره في هذه الحياة العظيمه التي واجهها وواجهته .
وقف ثابتاً كجبل ، صادقاً كنبي، شجاعاً كمقاتل ومتفرّداً كطليعي لا يساوم على الاجمل والأنظف والارقى والأكثر قدرة على البقاء بجدوى ما تمثله صفاء الرؤيه الفنيه والاجتماعيه الجوهريه من مكونات لامست الابداع في اجمل تجلياته تلاحماً بالخلود .
مكونات شخصيته التي جمعت البساطه والتواضع والثبات بشفافيه لا تخاف مقارعة العدو والجهل ولا تتراجع عن الموقع الاعلى المطل على آخر الابداع الذي جعل منه زياد الرحباني .
عندما نتكلم عن نوعيه إبداعاته فلا يضيرها الكميه التي لم تكن تعنيه إلا متآخيه ومتناغمه معها، بما تلامس الكمال الفني في اكثر تجلياته جمالاً واستشرافاً للمستقبل ولما سيحدث إذا لم ننهض للمقاومه .
ولطالما كان يفضل الصمت معظم الوقت خلال هذه العمليه المعقده .
يفضل الصمت لعلمه ان الصمت غالباً فضيله وهو حتماً اول الابداع .
اما موسيقياً فبقي هدفه الفني دائماً محاكاة التأليف بالتلحين او ربما العكس، اي محاكاة التلحين بالتأليف . لذلك ربما لازمته خلالها فضيلة الصمت ليصبح سيد من عرف معنى الصمت ، وصارع بعلامته الموسيقيه مكانها وزمانها الصحيح في التنويط الأجدى على النص المبثوث بإشراق فني على السلم الموسيقي !.
وهو بذلك اكثر الفنانين الذين عرفوا معاشرة الصمت ومقارعته بجدوى ما بين الحضور والغياب من حكمة .
لعله لامس الحكمه التي ابتعد بها عن اي جمله موسيقيه لا تتوازى في التعبير عن تجسيد الحق والخير والجمال بالفن . فزياد كموسيقي يختلف برأيي عن بقية الفنانين بكونه لم يكتب في كل “ريبيرتواره” الموسيقي جمله فاشله او ناقصه او لا معنى لها ، بل جاءت إبداعاته دائماً ممتلئه بقوة وصلابه التعبير الموسيقي الذي يربط التلحين والتأليف بجدوى الارتباط ببعضهما، وبقي بهذا مبهراً مدهشاً بابتكاراته .
يكفي زياد فخراً انه عبر بفيروز من زمن عاصي ومنصور إلى زمن جيله واجيال اخرى ستأتي بعده لتتوسله بمشوار الفن وصوت العصر والبحث عن ارتباط جماليات الابداع الفني بمعنى الحياة في مطاردة الاجمل والأرقى والأفضل .
يكفيه فخراً انه تحول بفيروز من كونه ابنها البيولوجي (بعد انكفاء المؤسسه الرحبانيه الاولى ) إلى والدها الفني ومُطْلِقها إلى العالم الأوسع والأشمل .
برحيل زياد سوف تتيتّم فيروز فنياً ويشعر كل لبناني وعربي بقسوة هذا اليُتْم وفظاعته على عالم الفن النظيف والشريف .
اعتقد ان في فم الجميع كلاما كثيرا وطويلا عنه، كلام يطول ويطول .. ولكنه من نوع الكلام الصعب الذي سيبتلعه اكثر الناس حزناً على فراقه وشوقاً له او خوفاً منه .
اما نحن الذين نعرف ماذا ترك زياد فنياً وموسيقياً، فعلينا الاضاءه على منجزاته، وهذا ما سيفعله كل قادر.. وانا منهم لست باستثناء !.
ملاحظة: توفي زياد الرحباني في 26 تموز/يوليو 2025..اليوم ذكرى رحيله الأولى



