
بقلم د. أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز
إلى الباحث الدكتور جهاد سعد،
لم تعد الدولة في عالمنا المعاصر مجرد أرضٍ ذات حدود جغرافية، وسلطة سياسية، ومؤسسات إدارية وأمنية وقضائية تمارس نفوذها على مجموعة من المواطنين. فقد دخل العالم مرحلة جديدة بات فيها الفضاء الرقمي والتكنولوجي مجالاً واسعاً لممارسة النفوذ والتأثير، وربما السيطرة، الأمر الذي يفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم الدولة ووظائفها وحدود سيادتها.
من هنا تبرز أهمية مفهوم «الدولة الأثيرية» الذي يطرحه الدكتور جهاد سعد في كتابه، بوصفه محاولة فكرية لفهم التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا في طبيعة الدولة ومفهوم السلطة.
ببساطة، يمكن فهم الدولة الأثيرية باعتبارها الدولة التي يمتد حضورها ونفوذها من العالم المادي، بمؤسساته وحدوده الجغرافية، إلى العالم الافتراضي، حيث تتحول البيانات والشبكات الرقمية والذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية إلى أدوات أساسية في إدارة المجتمعات والتأثير في قراراتها وتوجيه سلوك أفرادها.
فاليوم، لم تعد السلطة مرتبطة فقط بمن يمتلك الأرض والجيش والاقتصاد، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمن يمتلك المعلومات، ويتحكم بتدفق البيانات، ويدير الخوارزميات، ويمتلك مفاتيح التكنولوجيا والاتصالات. وهنا تظهر قوة جديدة قد تتجاوز في تأثيرها أحياناً حدود الدولة التقليدية.
لكن هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية لا يمكن تجاهلها: من يمتلك السيادة في العالم الرقمي؟ هل هي الدولة التي تملك الأرض والقوانين، أم الشركات التكنولوجية الكبرى التي تمتلك البيانات والمنصات وأدوات التأثير؟ ومن يحمي المواطن عندما تصبح معلوماته الشخصية وسلوكه وخصوصيته متاحة للتحليل والمراقبة؟
هنا تتجلى التحديات الثلاثة التي يضعها هذا المفهوم أمامنا: السيادة، والقانون، والديمقراطية. فالسيادة لم تعد مسألة حدود جغرافية فقط، بل أصبحت مرتبطة بالاستقلال التكنولوجي والقدرة على حماية البيانات. والقانون بات مطالباً بمواكبة الجرائم الرقمية وتحديد المسؤوليات في عالم تتجاوز فيه التكنولوجيا الحدود الوطنية. أما الديمقراطية، فتواجه تحدياً جديداً يتمثل في قدرة الخوارزميات والمنصات الرقمية على التأثير في الرأي العام وتوجيه خيارات المواطنين، من دون أن تكون هذه القوى خاضعة دائماً للمساءلة والرقابة.
إن ما يستحق التقدير في عمل الدكتور جهاد سعد أنه لم يكتفِ بتناول التكنولوجيا باعتبارها تطوراً تقنياً، بل حاول وضعها في سياقها السياسي والقانوني والفلسفي، وربطها بمستقبل الدولة ووظائفها وعلاقتها بالمجتمع. ويكتسب هذا الإنجاز أهمية إضافية بالنظر إلى أن الكتاب، الصادر عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، يشكل عملاً بحثياً موسعاً يقع في 542 صفحة، ويستند إلى أطروحة دكتوراه نوقشت في الجامعة الإسلامية في لبنان.
الدكتور جهاد سعد، إن قيمة هذا العمل لا تكمن فقط في طرح مصطلح جديد، بل في فتح نافذة للتفكير في مستقبل الدولة ومصير الإنسان في عصر تتسارع فيه التحولات التكنولوجية. فالأفكار الجديدة لا تُقاس بمدى غرابتها، بل بقدرتها على إثارة الأسئلة الصحيحة وفتح آفاق النقاش العلمي والفكري.
ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في هذا النقاش هو: كيف نستفيد من التكنولوجيا لبناء دولة أكثر عدالة وكفاءة، من دون أن تتحول التكنولوجيا نفسها إلى سلطة فوق القانون، وفوق إرادة الإنسان وحقوقه؟
كل التقدير للدكتور جهاد سعد على هذا الجهد البحثي والفكري، وعلى مساهمته في إغناء المكتبة العربية بموضوع يستحق الحوار والتأمل والنقاش.



