تقريرسياسة

“رئيس حكومة ديالنا”: أيزنكوت ينافس «الليكود» على اليهود الشرقيين (حسين الأمين)

 

 

 الحوارنيوز – صحافة

 

تحت هذا العنوان كتب حسين الأمين في صحيفة الأخبار اليوم:

ينافس غادي أيزنكوت نتنياهو على أصوات اليهود الشرقيين، مستثمراً أصوله المغربية لاختراق معاقل «الليكود»، وسط مؤشرات إلى تراجع ولاء ناخبين للحزب الحاكم وتصدّع احتكاره تمثيل «المزراحيم».

 

تفتح المنافسة الانتخابية بين رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ورئيس حزب «ياشار»، غادي أيزنكوت، باب تنازُع على إحدى ركائز الهيمنة السياسية لـ«الليكود»: تمثيل اليهود الشرقيين، أو «المزراحيم»، الذين أسهم تأييد قطاعات واسعة منهم في ترسيخ حكم اليمين طوال عقود. ويتقدّم أيزنكوت، المنحدر من عائلة مغربية، نحو المعاقل التقليدية للحزب الحاكم، مستفيداً من أصوله وسيرته العسكرية، فيما تشير استطلاعات إلى تراجع ولاء قسم من ناخبي «الليكود»، الذي اعتاد استثمار الذاكرة الإثنية للشرقيين في مواجهة خصومه، وتحويلها إلى أحد مصادر التعبئة الانتخابية. وتعيد هذه المنافسة، أيضاً، تسليط الضوء على التمييز بين اليهود الشرقيين والأشكناز (المهاجرين من دول أوروبية)، لا سيما بعدما طاولت أيزنكوت إهانةٌ ذات دلالات عنصرية صدرت عن إعلامي محسوب على معسكر نتنياهو.
بحسب ما أوردته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أمس، فإن حزب أيزنكوت وضع قائمة تضمّ أربعين مدينة يعتبرها أهدافاً انتخابية رئيسة، بينها ديمونا وإيلات وبئر السبع ونتانيا والعفولة والخضيرة، حيث الحضور الواسع لليهود الشرقيين. واختار الحزب مخاطبة سكّان تلك المدن بشعار مصوغ باللهجة الدارجة المغربية «رئيس حكومة ديالنا» -أي «رئيس حكومة منّا»-، في ما يمثّل استثماراً مباشراً لأصول رئيسه في مخاطبة البيئات المستهدفة من داخل قاموسها الاجتماعي والرمزي، لا سيما منها التي عانت التهميش في ظلّ سيطرة النخب الإسرائيلية القديمة. ويستند هذا التوجّه إلى سيرة أيزنكوت، المولود في طبريا لأبوَين هاجرا من المغرب، والذي نشأ في إيلات، قبل أن يتدرّج في المؤسّسة العسكرية وصولاً إلى رئاسة الأركان.

ويراهن «ياشار» على قدرة رئيسه على استقطاب ناخبين من اليمين المعتدل، وعرقلة التعبئة الانتخابية في معاقل «الليكود». ونقلت «يديعوت أحرونوت» عن مصادر في حملة أيزنكوت أن استطلاعاتها الداخلية تُظهر محافظة الأخير على صورة إيجابية نسبياً لدى قطاعات من ناخبي اليمين، بمن فيهم أشخاص لا يعتزمون التصويت له، وهو ما قد يضعف دافعية بعض مؤيّدي الحزب الحاكم إلى الاقتراع. وفي السياق نفسه، نقلت الصحيفة عن مسؤول في «الليكود» مخاوفه من أن تؤدّي الهجمات الشخصية على أيزنكوت إلى «نتائج عكسية»، لا سيما بالنظر إلى مكانة الأخير العسكرية وأصوله المغربية ونشأته في مدن الأطراف. وكان وصف المذيع اليميني، ينون ماغال، زعيم «يشار»، بـ«القرد»، متحدّثاً، خلال برنامج على «القناة 14»، عن «الأشكناز النخبويين» الذين يقفون خلفه ويديرونه؛ الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على التصنيفات الإثنية داخل الخطاب السياسي الإسرائيلي، وشوّش على صورة نتنياهو بوصفه الحاضن الطبيعي لليهود الشرقيين، والذي يواجه سياسياً شرقياً يسعى إلى منافسته على القيادة.

 

وردّ أيزنكوت على الهجوم عليه بتحميل نتنياهو المسؤولية السياسية، قائلاً إن «المشكلة ليست ينون ماغال، بل الرجل الذي يقف خلف ينون ماغال». ورغم أن نتنياهو دان تصريح ماغال، واصفاً إياه بأنه «غير لائق جداً»، ومشيراً في الوقت نفسه إلى الإهانات التي يتعرّض لها جمهور «الليكود» من خصومه، فقد أتاح هذا السجال لحزب «ياشار» نقل المواجهة إلى ميدان الذاكرة السياسية للقاعدة «الليكودية»، وإثارة شكوك حول قدرة الحزب الحاكم على احتكار تمثيل الشرقيين. وتعود جذور ذلك الانقسام إلى العقود الأولى لقيام الكيان، حين تركّزت السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية في أيدي النخب الأشكنازية، ولا سيما المرتبطة بحزب «العمل» وسلفه «مباي»، بينما واجه مستوطنون يهود، قدِموا من البلدان العربية وشمال أفريقيا، تهميشاً اجتماعياً واقتصادياً، واستقرّ كثيرون منهم في مدن التطوير ومناطق الأطراف. وأسهم التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، إلى جانب عوامل سياسية وأيديولوجية، في تنامي التأييد لـ«الليكود» بين قطاعات واسعة من اليهود الشرقيين، وصولاً إلى التحوّل الانتخابي عام 1977، الذي أنهى هيمنة المعسكر «العمالي» وأوصل مناحيم بيغن إلى الحكم.

وتعزّز هذا الارتباط في انتخابات عام 1981، حيث استخدم الفنان دودو توباز، خلال تجمّع انتخابي لحزب «العمل»، تعبير «التشحتشاحيم» المهين، الذي يعني الرعاع أو السوقيين أو المنحطّين، في حقّ مؤيّدي «الليكود» من الشرقيين. ولم يتأخّر بيغن وقتها في استثمار الواقعة في تعبئة جمهوره، مستعيداً شعوراً متراكماً بالاستعلاء الاجتماعي الذي مارسته النخب القديمة. ومع الوقت، أصبحت تلك الحادثة إحدى المحطّات الرمزية في تاريخ الانقسام الإثني الإسرائيلي، وأسهمت في تثبيت صورة «الليكود» مدافعاً عن كرامة الشرقيين في مواجهة المؤسّسة «العمالية». وإذ أتاح صعود حزب «شاس»، منذ ثمانينيات القرن الماضي، إطاراً سياسياً مستقلاً لقطاعات من اليهود المتديّنين الشرقيين، وعزّز حضور الهوية الإثنية والدينية في الحياة الحزبية، فقد اكتسبت العلاقة بين «الليكود» وقطاعات من الشرقيين، مع مرور العقود، أبعاداً سياسية وأيديولوجية إضافية، ارتبطت بالمواقف القومية والانتماء إلى المعسكر اليميني. وأسهمت هذه العوامل، وفق دراسات تناولت السلوك الانتخابي الإسرائيلي، في تحويل التأييد للحزب إلى انتماء سياسي راسخ نسبياً. وهنا، تبرز أهمية تجربة أيزنكوت؛ إذ يخوض المنافسة من موقع رئيس أركان سابق يحمل خطاباً أمنياً وهوية شرقية، وهو ما يضع «الليكود» أمام احتمال خسارة جزء من قدرته على توظيف الانقسام الإثني لمصلحته.
وبالفعل، تشير استطلاعات الرأي إلى تحوّلات في الخيارات الانتخابية لقطاعات من جمهور «الليكود» السابق. إذ أظهر مسح أجراه «المعهد للفكر الإسرائيلي»، خلال تشرين الأول، وشمل 2520 ناخباً يهودياً في خمسة تجمعات حضرية، أن 50.9% ممن أفادوا بأنهم صوّتوا لـ«الليكود» عام 2022، يعتزمون التصويت له مجدّداً، فيما اختار 39.5% حزباً آخر (من بينهم 40% منحدرون من أصول شرق أوسطية أو شمال أفريقية)، وبقي 9.6% من متردّدين أو غير راغبين في التصويت. وفي موازاة ذلك، أظهر استطلاع نشرته «إسرائيل هيوم»، أول من أمس، وأجرته مؤسّسة «كانتار»، حصول «ياشار» على 23 مقعداً، مقابل 21 لـ«الليكود». وكان استطلاع لـ«القناة 13»، في منتصف الشهر الجاري، منح حزب أيزنكوت 20 مقعداً مقابل 18 للحزب الحاكم؛ وهو ما يعكس حدّة المنافسة بين الطرفَين، ويُظهر حجم الضغط الذي يتعرّض له «الليكود».
في النتيجة، تكشف المنافسة الجارية تحوّل الإرث الذي ساعد اليمين على الوصول إلى الحكم، إلى عامل يُوظّف انتخابياً في مواجهته، ويمكن أن يعرّضه لنزف انتخابي. وإذ ستحدّد صناديق الاقتراع مدى اتّساع هذه الحركة، فإن مجرّد انتقال الصراع إلى معاقل «الليكود» التاريخية يكفي للدلالة على تبدّل في شروط المنافسة داخل اليمين الإسرائيلي.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى