رأي

بلاد لا تتسع لرأس مرفوع! (ريما فرح)

 

كتبت د.ريما فرح – الحوارنيوز

من فرط ما تعبت من دفن الأشياء التي أحببتها، ومن الوقوف أمام أحلامي كأنّني أقف أمام صور أشخاصٍ رحلوا، أكتب بمرارة واحدةٍ أمضت عمرها تدافع عن وطن، ثمّ اكتشفت أنّها كانت تحرس باباً مرسوماً على جدار.
كان أهون عليّ لو جئت إلى هذا الزمن أقلّ إحساساً، أقلّ تصديقاً، بقلبٍ يعرف كيف ينجو من دون أن يسأل كلّ يومٍ عمّا حلّ بالبلاد.
ولعلّنا كنّا أقلّ خيبةً لو احترف الأخوان رحباني وفيروز مهنةً أخرى. لو صنعوا لنا أثاثاً، ثياباً، أيّ شيءٍ يبلى فنرميه، عوض أن يصنعوا وطناً يسكننا، ثمّ يتركونا نبحث عنه حتى يبلى العمر.
ما أقسى ما فعلتموه بنا.
جعلتم للفقر عزّة، وللخبز حرمة، وللجار ذمّة، وللكلمة شرفاً. جعلتم المظلوم يرفع رأسه في وجه الملك، وأقنعتمونا بأنّ الظلم، مهما طال، يخجل في النهاية من نفسه.
فصدّقناكم كما يصدّق الأطفال أهلهم. لم يخطر لنا أنّ هذا القدر من الجمال يحتاج إلى الحذر.
حملنا “جبال الصوّان” في صدورنا، وانتظرنا “رجعة السيف”. وصدّقنا حكاية الشعب العنيد. كنّا نستمع إلى فيروز فنشعر أنّ لنا وطناً لا يليق بنا أن نخذله. وكدنا نموت من أجله. بعضنا مات، وبعضنا بقي ليكتشف أنّ البلاد التي استحقّت كلّ تلك التضحيات كانت أوضح في الأغنية منها على الأرض.
وحين تعثّر الواقع، اتّهمناه بأنّه عابر. قلنا: هذه الحرب وستنتهي. هؤلاء الحكّام وسيرحلون. هذا الخراب وسنعمّره. ظللنا نمنح البلاد مهلةً أخرى، حتى صارت المهل أعمارنا.
واليوم، تعوّرنا بالبلد الكذبة.
حتى الأغنيات التي كانت تضمّدنا صارت تفتح الجرح.
أين لبنان الذي أحببناه؟

دلّوني عليه خارج الأرشيف، خارج خطب أولئك الذين يتقنون لفظ اسمه ولا يعرفون شيئاً عن حرمة أهله. دلّوني على مواطنٍ يأخذ حقّه واقفاً، من دون أن يحني رأسه على عتبة أحد.
قد تمضي عمرك تتعلّم وتعمل وتحافظ على اسمك، ثمّ يختصرونك بسؤالٍ واحد: مَن وراءك؟
تضع أمامهم سنواتك، فيبحثون عن واسطتك. تقدّم كفاءتك، فيفتّشون عن مرجعيتك. تقول إنّك صاحب حقّ، فينظرون إليك بشفقةٍ تكاد تكون إهانة: ما زلت تؤمن بهذه الأمور؟
كن شريفاً، ولكن تحمّل كلفة شرفك وحدك. وفكّر، إن شئت، على ألّا يخرج تفكيرك من رأسك إلى حيث تُوزَّع الحصص.
العقل يزعجهم لأنّه يطلب تفسيراً، وهم اعتادوا الطاعة. والنظيف يحرجهم لأنّ وجوده يكشف أنّ القذارة لم تكن قدراً. لذلك يسدّون عليه الطرق، ثمّ يسألونه، مبتسمين، لماذا لم يصل؟.
وليس لك أن تستنجد بطائفتك. طائفتك، في دفاترهم، ملكٌ لزعيمها، وأنت واحدٌ من موجوداتها. إن اعترضت، صرت ناكراً للجميل. وإن استقللت، صرت مشبوهاً. وإن طالبت بحقّك خارج طاعته، وجدت خصومه واقفين إلى جانبه في وجهك.
كم يتقنون التضامن حين يكون المطلوب كسر إنسانٍ حرّ.
فالطوائف والقبائل، مهما اختلفت، تحمي مصالح بعضها بعضاً على حساب المنعتق من تبعية زعامة طائفته. إنصافه يفتح باباً لاستقلال سواه، ولذلك يتواطؤون على إغلاقه. يختلفون على الحصص، ويتّفقون على ألّا تكون لك حياةٌ خارجهم. لكلّ زعيم رعيّته، ولكلّ طائفة حصّتها من الدولة، أمّا المواطن فحصّته أن يبقى خائفاً من الآخرين، محتاجاً إلى راعيه.
هكذا تُدار المزرعة: يُقفل الباب على الناس، ويُقال لهم إنّه أُقفل لحمايتهم.
وزعماؤنا؟” قارطين البيضة والتقشيرة”.. ومتفرّغون لإلقاء المحاضرات في فضيلة الجوع.
منهم من يريدنا أن ننسى الدم، ومنهم من يريدنا أن نعتاد السرقة، ومنهم من لم يترك للكذب وجهاً لم يستعمله. يتفوّقون على الممثّلين، فالممثّل ينحني في النهاية ليعترف بأنّ ما شاهدناه عرض، أمّا هؤلاء فيطالبوننا بالتصفيق على أنّه تاريخ.
جبابرة على الضعفاء، صيصان عند أبواب الخارج.
يأمروننا بالصمود، ويُحسنون هم الانحناء. يحمّلوننا كرامة البلاد كلّما احتاجوا إلى تضحية، ويضعونها جانباً كلّما احتاجوا إلى صفقة.
فلا ملك ولا مملكة. كراسٍ تتوارث الجالسين عليها، وناسٌ تتوارث الخسارة. ولا عدالة حين يصبح اسم ظالمك أهمّ من حجم مظلمتك، وحين يُطلب منك أن تتفهّم التوازنات وأنت تنزف.
كان زياد، ابن عاصي، يعرف كيف يجرح هذه الصورة من داخلها. ونحن الذين ضحكنا على لبنان الذي انتهى إلى لحمٍ بعجين، لم ننتبه إلى أنّنا نضحك على حصّتنا المقبلة من الحكاية. هم اقتسموا البلاد، ونحن احتفظنا بالنشيد.
يا فيروز، ويا عاصي، ويا منصور، أعرف أنّكم لم تخفوا عنّا الطغاة. لكنّنا خرجنا نحفظ صوت من واجههم، واثقين بأنّ الحقّ سيجد طريقه. لم نتهيّأ لبلادٍ يستطيع فيها الظالم أن يشيخ مطمئنّاً، وأن يموت مكرّماً، وأن يترك لأبنائه نفوذه، ولأبناء ضحاياه انتظاراً جديداً.
هذه هي الخيبة التي لا أعرف كيف أحملها: أن يمضي العمر ولا يستقيم ميزان. أن تصير الكرامة عبئاً على صاحبها، وأن يعتذر الشريف لأهله، بصمته، عن الأبواب التي كان يمكن أن يفتحها لو رضي أن يتلوّث.
ربّما لو لم أعش الحلم بكلّ هذا الإخلاص، لكنت تركت بيني وبينه مسافةً أتراجع إليها حين ينكسر. لكنّني صدّقت. أحببت. دافعت. وكلّما أخذ هذا البلد منّي شيئاً، قلت: فداءً له.
حتى التفتُّ، ذات خيبة، أبحث عمّا بقي لي.
يا ليتكم لم تعلّمونا أن نحبّه إلى هذا الحدّ.
تركتم لنا وطناً يصلح لأن نحبّه عمراً كاملاً، ولم يترك لنا حكّامه يوماً واحدا. نطمئنّ فيه إلى أنّه يحبّنا.
يا ليتني متّ قبل أن أولد..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى