رأي

مصلحة السعودية في مراجعة سياساتها مع “الأصدقاء” قبل “الأعداء” (أحمد حوماني)

 

كتب د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

اختلطت الأمور على السعودية بين من هم الأصدقاء الحقيقيون ومن هم الأعداء الواقعيون. ولا يُحسد ولي عهد السعودية على الموقف الذي وُضعت فيه مملكته اليوم. وإن كان هذا الوضع ليس من صنعه، لكنه بكل تأكيد يتحمل اليوم وزره وتبعاته ومسؤولية الاستمرار به.

السعودية اليوم أمام خيارات صعبة وقاسية على كافة المستويات السياسية والعسكرية والاجتماعية. وليس بالترفيه وحده تُبنى الممالك والدول وتُصان. لعشرات السنين كانت السعودية توصف بأنها “مملكة الخير”. وفي هذا التوصيف الكثير من الحقيقة. لكن ذلك لم يكن بسبب مساعداتها المالية وحدها، بل يرجع الفضل في ذلك إلى انتهاجها سياسة إيجابية، وإصلاحية بين دول المنطقة. كانت “مملكة الخير” لأن دبلوماسيتها سعت دوماً بالخير بين الدول العربية مع بعضها البعض، وبينها وبين الدول الإسلامية الأخرى. كانت دعوتها الأساسية هي وأد الفتن والحروب والمساعدة على بناء اقتصادات الدول المتعثرة. 

وكما لا يمكن بناء علاقات سياسية بين الدول بالاعتماد على الدعم المالي فقط، كذلك لا يمكن بناء علاقات بينها تقوم على الضغائن والأحقاد والكره في السياسة. وكما قال كيسنجر: “في السياسة لا أصدقاء دائمون، ولا أعداء دائمون، بل مصالح دائمة”.

بناء على ذلك على السعودية وقياداتها إجراء مراجعة شاملة لكل مواقفها العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية. فلم يمر على السعودية زمن كان لها خصوم أو أعداء كما هو اليوم. فهي على خلاف مزمن مع إيران، وقد يكون له جذر عقائدي، لكن الصحيح أن دبلوماسيتها كانت دوماً تجد الحلول لخفض التوتر، وردم الخلافات، وفتح قنوات التواصل مع إيران. والمبادرة الصينية كانت أساساً يمكن البناء عليه.

والسعودية اليوم على خلاف كبير مع الإمارات، وإن لم يتخذ البعد العسكري المباشر بينهما، إلا أنه واضح وجلي في السياسة الخارجية. وهما يتصارعان في أكثر من مكان في العالم العربي. والسودان وليبيا وسوريا ولبنان واليمن وغيرها أبرز مثال على ذلك. كذلك يبدو أن الأمور بحاجة لمراجعة سريعة في لبنان، فما زالت السعودية تقف عند نفس النقطة منذ أكثر من عشر سنوات، تدعم من تدعم، ولا يقدمون لها ثقلاً إضافياً، لا على الساحة اللبنانية ولا على الساحة العربية. وتخاصم من تخاصم، ولا تترك ولو مساراً أو منفذاً ضيقاً لإقامة حوار أو نقاش أو لقاءات، بالرغم من مدّ اليد لها للمعالجة، في الوقت الذي يمكن أن تكون على علاقة جيدة مع كل اللبنانيين. ولن ندخل في ملفات الدول الأخرى، حيث الدبلوماسية السعودية تعاني ولا تستطيع طرح حلول فضلاً عن فرضها.

الموضوع الأخطر هو موضوع اليمن، وهي الخاصرة الضعيفة للسعودية. فلماذا أوصلت السياسة السعودية الأوضاع إلى حد الانفجار الذي سيعصف بالمنطقة برمتها؟ وعندما تلام السعودية على ذلك، فلأنها كما هو مفترض أن تكون المرجعية، وأن تصدر الحلول عنها، نظراً لموقعها ووزنها في السياسة العربية والعالمية. وما زال بالإمكان معالجة الموضوع مع “أنصار الله”، سواء عبر تطبيق الاتفاق السابق، أو باتفاق جديد يحفظ حقوق الجميع. لكن ما يجب التوقف عنده، أن كل الاتفاقات والمعاهدات التي بنتها السعودية مع أصدقائها كما تسميهم، لم تنفعها وقت الشدة الحالية، بغض النظر عن صحة موقفها أو خطأه في إعادة إنتاج الحرب مع اليمن. 

كان من الواضح أن جامعة الدول العربية قد خرجت عن الخدمة منذ زمن طويل، وأن منظمة التعاون الإسلامي هي منظمة فخرية أكثر منها واقعية. وليس مفاجئاً أنهما لم تقدما شيئاً للسعودية في هذا الوقت العصيب. لكن المفاجأة أتت من تركيا وباكستان، اللتين اكتفتا بالإدانة، ورفضتا التدخل العسكري والمساعدة في الحرب على اليمن. وأمس زار ولي العهد مصر طالباً مساعدتها، ويبدو مما رشح عن الزيارة أن مصر لم توافق على التدخل العسكري في اليمن. 

يا لقساوة الزمن.. في ستينات القرن الماضي دعمت السعودية الزيديين ضد الجمهوريين المدعومين من مصر عبد الناصر. صراع استمر لأكثر من خمس سنوات بينهما، وأدى إلى مقتل ما يقارب من عشرة آلاف جندي مصري. اليوم السعودية تطلب مساعدة مصر لقتال الزيديين في اليمن.

هذا عن الأصدقاء العرب والمسلمين، فماذا عن أمريكا والكيان الصهيوني وأوروبا؟ ماذا عن صداقاتهم، ومليارات الدولارات التي تُستثمر في دولهم، وعن الصداقات المبنية مع زعماء الاتحاد الأوروبي وقادة دوله؟ لقد اكتفوا بالتنديد والشجب. أما أمريكا فكان موقفها صادماً. فها هي الصحف الأمريكية تعبر عن ذلك. فـ”نيويورك تايمز” ذكرت وصفاً لوضع السعودية التي تعيش حالة من الصدمة الاستراتيجية، بعد فشلها في الحصول على مزيد من الدعم العسكري الأمريكي. وقالت إن السعودية تجد نفسها عالقة في خضم الصراع بين أمريكا وإيران، وتعكف قيادتها على تقييم الخيارات المحدودة المتاحة. فيما سرّبت صحف أخرى عن لقاءات بين أنصار الله والأمريكيين برعاية عمانية، أبدى فيها الأمريكيون وقوفهم على الحياد وعدم دخولهم في الحرب.

بالنسبة للكيان الصهيوني، وبالرغم من العداء الكبير بينه وبين أنصار الله، وجولات المعارك التي جرت بينهما على مدار السنوات الثلاث الماضية، فقد أعلنوا عدم تدخلهم. ونقلت صحيفة “هآرتس” العبرية: أن الجيش (الإسرائيلي) أوصى المستوى السياسي بتجنب شن هجوم استباقي على الحوثيين في اليمن، والامتناع عن خطوات تضع (إسرائيل) في صدارة المواجهة العسكرية معهم، والتركيز على التحركات السياسية، وفق ما قاله أمس مسؤولون كبار في المنظومة الأمنية.

وبحسب المصادر، قال مسؤولون في الجيش، خلال مداولات مغلقة عقدت في الأيام الأخيرة، إنه ينبغي في هذه المرحلة تركيز الجهود السياسية على تشكيل تحالف دولي وإقليمي. ولا نذكر الكيان الصهيوني هنا على أنه صديق للسعودية، بل لأنه صديق لأمريكا وعدو لليمن، ومع ذلك اعتبر أن ما يجري لا يعنيه بشكل مباشر، علماً أن تقارير عديدة ذكرت أن السعودية طلبت مساعدة استخباراتية منهم، لكن ذلك بحاجة إلى تأكيد رسمي.

إذاً الصورة قاتمة بالنسبة للسعودية، فقد تخلى الأصدقاء جميعاً عنها بحجج مختلفة. وحتى لا يقطعوا شعرة المساعدات عنهم، فعلى الأغلب سيجمعون بعضاً من شذاذ الآفاق والمنتفعين، لتجنيدهم للقتال مع حلفاء السعودية ضد أنصار الله، وهم بدأوا ذلك بالفعل. لكن على مستوى الدول لا أحد يريد الغرق في اليمن وتجارب تركيا العثمانية، ومصر الناصرية، ما زالت عالقة في الأذهان. 

ابتعد الجميع عن السعودية، لأن العلاقات بينها وبينهم بُنيت على اعتبار السعودية هي البقرة الحلوب مالياً، ففي الرخاء معها وفي الشدة تُترك وحيدة. وما جرى خلال الشهر الماضي يجب أن يكون عبرة لقادة السعودية، لجعل أمن وسلامة السعودية أولاً، ولتغيير سياساتها في المنطقة العربية والإسلامية، وبناء صداقات تقوم فعلاً على الوفاء والتعاون والنصح ثانياً. ولا يكون ذلك إلا بتصفير العداوات سواء مع إيران أو لبنان أو اليمن، وإعادة إنتاج مظلة سعودية راعية لحل كل المشكلات الداخلية في البلدان العربية، كما كانت سابقاً، وبسياسات تنفتح على الجميع، وتؤسس لنظرة منطقية وعقلائية لمملكة لا يأتي منها إلا الخير لكل جيرانها من العرب والعجم.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى