رأي

قانون الإيجارات غير السكني والأبنية الأثرية : تعسف الدولة في الزمن الصعب (أميرة سكّر)

 

كتبت أميرة سكّر – الحوارنيوز

 

  من يقرأ قانون الإيجارات غير السكني كنص مجرد يخطئ الحقيقة، فالقوانين لا تُقاس ببلاغة صياغتها بل بظرف تطبيقها ومبدأ التناسب فيها، وهذا القانون وإن كان في أصله يعيد حقاً لأصحابه، إلا أنه دخل حيز التنفيذ في لحظة لبنانية بالغة القسوة، لحظة انعدام الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي، حيث انهارت العملة وتآكلت المدخرات وتفككت الأسواق، فجاء ليضع التاجر أمام استحالة مادية مطلقة، وهذا بحد ذاته تعسف في تطبيق القانون يحوّله من أداة عدالة إلى أداة تهجير اقتصادي لا يجوز السكوت عنه.

 

ومن هنا فإن ما يفرضه منطق العدالة وروح التشريع والظرف القاهر، هو تعليق وتأجيل سريان مفعول هذا القانون حكماً حتى الأول من كانون الثاني من العام 2027، ليس تهرباً من الحق ولا إنكاراً لحق المالك، بل إفساحاً في المجال لالتقاط الأنفاس ولإعادة هيكلة السوق، على أن يُعاد النظر تبعاً لذلك بكل ما يترتب عليه من آليات دفع وبدلات ومهل، وفق واقع السوق الحقيقي وقدرة التاجر الفعلية، لا وفق أرقام وهمية لم تعد تمت للقدرة الشرائية بصلة، فلا عدالة في قانون يُطبق على أنقاض اقتصاد منهار.

 

ثم إن الدولة، إذا كانت تريد حقاً أن ترفع الأذى عن كاهل مواطنيها وأن تكون شريكاً في الحل لا عبئاً إضافياً، فعليها أن تتحمل جزءاً من تبعات هذا الوضع الاستثنائي الذي ساهمت في صنعه، وذلك بأن تعفي المستأجرين الخاضعين للعقود الرضائية أو لمفاعيل القانون الجديد، من كافة الضرائب والرسوم طيلة فترة التنفيذ الانتقالية، بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة والرسوم البلدية والمالية المفروضة على النشاط التجاري، وبهذه الخطوة وحدها تخفف الدولة من وطأة الأزمة الاجتماعية وتثبت أنها حاضنة لأبنائها لا جانية عليهم.

وفي المقلب الآخر، فإن للمالك حقوقاً مقدسة كرسها الدستور اللبناني في مادته الخامسة عشرة التي تصون الملكية الفردية، وهو الذي حُرم من منفعة ملكه لعقود طويلة، ومن غير الجائز دستورياً وقانونياً أن يُعاقب اليوم مرتين، مرة حين صودرت منفعته ومرة حين استعادها، عبر تحميله رسوماً ومصاريف وضرائب إضافية ناتجة عن اتفاق لم يكن هو من فرض شروطه، بل يجب إعفاؤه ضمن معايير عادلة ومنصفة من أي أعباء مالية جديدة، تحقيقاً للتوازن لا للانتقام.

أما في ما يخص الأبنية الأثرية في بيروت فهنا تكمن المعضلة الحقوقية والدستورية الكبرى، فبأي منطق قانوني تمنع الدولة مالكاً من التصرف بملكه أو ترميمه أو حتى هدمه إن كان آيلاً للسقوط ومشكلاً خطراً على السلامة العامة، ثم تتركه معلقاً لسنوات في نزاع إداري لا ينتهي؟

 إن الدولة إذا ارتأت أن بناء ما هو ذو قيمة تاريخية ووطنية ويستحق الحماية، فعليها هي أن تتحمل كلفة قرارها، لا أن ترمي العبء على كاهل المواطن الفرد، والأصول القانونية واضحة: على الدولة أن تبادر  إلى شراء العقار المصنف أثرياً من مالكه بسعر عادل ومنصف يراعي حقه المقدس بالملكية ويعوضه عن سنوات المنع، وأن تحوله هي إلى ملك عام كمتحف أو معرض أو مركز ثقافي يخدم المصلحة العامة. أما ما يجري اليوم من حجز غير معلن على عقارات المواطنين ووقف لحالهم ومنعهم من التصرف بأملاكهم فهو مصادرة مقنعة للملكية الخاصة ومخالفة صريحة للدستور، ولا يجوز مطلقاً أن يستمر هذا النهج تحت ستار حماية التراث، فإما أن تشتري الدولة التراث وتحافظ عليه من مالها العام، وإما أن ترفع يدها عن أملاك الناس وتتركهم وشأنهم.

 

فالتراث مسؤولية الدولة، وليس عقوبة لمالك.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى