إقتصادالعالم العربي

سوريا بين فجوة الطاقة وعجز الموازنة والضغوط الشعبية : راتب شهري لا يكفي ثلاث تنكات بنزين (عماد عكوش)

 

كتب د.عماد عكوش – الحوارنيوز

الوضع الراهن في سوريا يواجه ضغوطاً مالية حادة وعدم استقرار اجتماعي . بعد الزيادات الكبيرة في أسعار الوقود في أيلول 2026 (الديزل +40%، البنزين +26-28%)، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في أنحاء البلاد، وهي أكبر اضطرابات داخلية منذ تولي الحكومة الجديدة السلطة. السبب الجذري يكمن في أن إيرادات الموازنة لا تواكب النفقات إطلاقاً ، حيث تبلغ نسبة الإيرادات المالية إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل من 5%، في حين أن الحاجة اليومية للنفط والمشتقات النفطية تبلغ حوالي 300 ألف برميل ، بينما الإنتاج المحلي 100 ألف برميل فقط ، ما يجبر الحكومة على الاعتماد على الواردات الباهظة لتغطية العجز .

بخصوص الصراع الإيراني واليمني السعودي ، المعلومات المتوفرة تظهر فقط أن الحوثيين والقوات الإيرانية تصاعدوا في الصراع الإقليمي خلال 2026 ، ما أدى إلى ارتفاع مخاطر تأمين مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة العالمية . هذا الصراع يضاعف بشكل غير مباشر تكاليف واردات الطاقة السورية ، لكن التأثير المباشر على شؤون سوريا الداخلية يحتاج إلى مزيد من المعلومات للتأكيد .

خطر خروج الوضع عن السيطرة منخفض نسبياً على المدى القصير ، لكنه مرتفع على المدى الطويل. الاحتجاجات الحالية ركزت بشكل رئيسي على تخفيف الزيادات في أسعار الوقود واستقالة وزراء النفط والاقتصاد ، دون توسع شامل ليشمل المطالبة بتغيير النظام . لكن الوضع المالي للحكومة هش للغاية ، ويواجه خطر التصعيد إذا لم يتم استعادة الدعم الخارجي أو تحسين الإيرادات المحلية.

صعوبة التمويل الخارجي تزداد بعد عجز دول الخليج عن استيراد النفط بسبب الصراع الإقليمي ، وقدرتها على تقديم المساعدات لسوريا تتأثر أيضاً. الحكومة السورية تحاول التحول إلى تمويل غير تضخمي من خلال إصدار الصكوك السيادية، لكن أول إصدار متوقع أن يبدأ فقط في الربع الأخير من 2026 ، والإيرادات لن تكون كافية لملء فجوة هذا العام ، وسيُستخدم بشكل رئيسي كتمويل انتقالي لموازنة 2027.

ما يحصل اليوم من احداث على المستوى الدولي والاقليمي له انعكاسات كبيرة على عدة أمور منها : 

أولاً: الوضع المالي والتمويل

موازنة 2026 السورية تبلغ إجمالي إيراداتها حوالي 8.7 مليار دولار، وإجمالي النفقات حوالي 10.5 مليار دولار، بعجز مالي يبلغ حوالي 1.8 مليار دولار، أي ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر بـ32 مليار دولار .  وزير المالية محمد يسر برنية أوضح أن الحكومة تعد استراتيجية إصدار الصكوك السيادية (الأولى منذ سقوط النظام القديم)، بهدف استبدال نمط التمويل التضخمي السابق القائم على طباعة النقود .

الاقتصادي محمود عبد الكريم أشار إلى أن طباعة النقود أدت إلى فقدان الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها، و”الصكوك والسندات لا تخلق عرضاً نقدياً جديداً، بل تمتص السيولة الخاملة من البنوك والشركات والأفراد، وتوجهها نحو الإنفاق الإنتاجي”. لكن مشكلة التوقيت حادة للغاية فأول إصدار متوقع أن يبدأ في الربع الأخير من 2026 ، والإيرادات بالكاد تغطي العجز الحالي ، وسيصبح جسر تمويل رئيسي لعجز موازنة 2027 .

ثانياً: فجوة الطاقة وأسعار الوقود

حاجة سوريا اليومية من النفط والمشتقات النفطية حوالي 300 ألف برميل ، بينما الإنتاج المحلي 100 ألف برميل فقط (بانخفاض حاد من 600 ألف برميل في التسعينيات) . حوالي 60% من الديزل يعتمد على الاستيراد (4.63 مليون لتر يومياً) ، و33% من البنزين مستورد .

في سبتمبر 2026 أعلنت الحكومة عن زيادات جديدة في أسعار الوقود ، الديزل ارتفع إلى 175 ليرة حيث اصبح سعر التنكة 27.61 دولار اميركي ، بنزين 90 إلى 185 ليرة حيث اصبح سعر التنكة 26.12 دولار اميريكي ، بنزين 95 إلى 195 ليرة حيث اصبح سعر التنكة 29.10 دولار اميريكي .  وزارة الطاقة أوضحت أن السبب هو الارتفاع غير المسبوق في تكاليف التأمين العالمية، بالإضافة إلى دخول مصفاة بانياس في صيانة شاملة لمدة شهرين ، مما زاد الحاجة المؤقتة لاستيراد المنتجات النفطية الجاهزة

      في ما يتعلق بسعر الصرف ، بلغ السعر الرسمي للدولار 121.50 ليرة للشراء و122.50 ليرة للمبيع في 8 أيلول 2026، بينما بلغ سعر الصرف في السوق الحر 131.50 ليرة للشراء و132 ليرة للمبيع . هذا يعني أن الفجوة بين السعرين لا تزال قائمة، وإن كانت محدودة نسبياً. لكن البيانات تظهر أن الليرة السورية تعرضت لضغوط متكررة خلال العام، حيث ارتفع سعر الصرف الرسمي من 113 ليرة للدولار في يونيو إلى 122 ليرة في سبتمبر . في المقابل  تم رفع الحد الادنى للاجور في أيار 2026 إلى نحو 100 دولار بموجب المرسوم رقم 67 ، مع إضافة 50% على رواتب القطاع العام وهذا يعني ان الراتب يشتري حوالي ثلاث تنكات بنزين في الشهر .

 ثالثاً: أسعار المواد الغذائية والخبز

منذ استلام الشرع الحكم ، شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعات متواصلة . مؤشر أسعار الغذاء في سوريا سجل 697 نقطة في نيسان 2026، وهو أعلى مستوى تاريخي ، مع تضخم غذائي سنوي بلغ 22%  .  التضخم العام بلغ 27.5% في نيسان 2026 ، مع تضخم شهري 3.5%  .

في ما يخص الخبز، تولدت خشية لدى قطاعات واسعة من السوريين من انعكاس ارتفاع أسعار المحروقات على سعر ربطة الخبز . نائب وزير الاقتصاد السوري ماهر الحسن أكد بشكل قاطع عدم وجود أي تغيير على سعر ربطة الخبز أو وزنها رغم ارتفاع أسعار المحروقات ، موضحاً أن الوزارة عملت على تعويض ارتفاع تكاليف الإنتاج بخفض سعر طن الدقيق الخاص بالخبز من 20 ألف ليرة إلى 15 ألف ليرة سورية للطن الواحد ، ما رفع نسبة الدعم للخبز من 60% إلى 70%  .

لكن تقارير سابقة من تموز 2026 أشارت إلى أزمة خبز حقيقية في دمشق ، حيث تم تقليص عدد الأرغفة في ربطة الخبز من 10 إلى 8 مع الحفاظ على السعر نفسه ، وهو ما شكل ضربة مباشرة للقدرة الشرائية للمواطنين .  هذه المؤشرات تدل على أن الحكومة تحاول الحفاظ على السعر الاسمي للخبز لكنها تضطر لتقليص الكمية أو زيادة الدعم لتغطية الفجوة.

رابعاً: الوضع الاجتماعي

منذ الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود ، شهدت سوريا احتجاجات هي الأكبر منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024. احتج سكان في محافظات الحسكة ، ودير الزور، والرقة ، وحلب ، ودمشق وغيرها ، وأحرقوا إطارات السيارات ، وقطعوا الطرق ، وأوقفوا ناقلات الوقود ، وطالبوا باستقالة وزراء النفط والاقتصاد . ان اي  زيادة في الاجور وان حصلت قد تتآكل بسرعة بسبب ارتفاع أسعار الوقود ، لأن الوقود يؤثر على جميع حلقات الاقتصاد من الزراعة والإنتاج الصناعي إلى النقل والأسواق.

خامساً: السياق الإقليمي

تباينت نتائج الصراع الإيراني في 2026 بشكل كبير. إجماع المحللين الإسرائيليين على أن إيران هي الفائز الوحيد ، حيث لم تحقق الحرب الإسرائيلية-الأمريكية أي من الأهداف المعلنة ومنها تدمير البرنامج النووي، والإطاحة بالنظام . الوضع الحالي هو هدنة هشة ، مع احتمال تجدد الصراع . بالنسبة لسوريا ، هذا يعني استمرار عدم الاستقرار الإقليمي ، وارتفاع علاوة مخاطر واردات الطاقة ، وتراجع قدرة دول الخليج على تقديم المساعدات المالية لسوريا في ظل تعرضها لضغوط الحرب.

تقييم المخاطر والمستقبل

هناك خطورة كبيرة في خروج الوضع عن السيطرة اجتماعياً حيث ان الاحتجاجات واسعة لكن القدرات الاقتصادية محدودة ، مع خطر مرتفع على المدى القصير.

ان العجز يبلغ 1.8 مليار دولار ، بدون قناة تمويل مستقرة ، ووضع هش للغاية. كما ان الاعتماد على الاستيراد 60% ، بدون قدرة على تأمين ذاتي ، صعب التحسن على المدى القصير. في المقابل المساعدات الخليجية متقلبة ، الصكوك لم تصدر بعد وغامضة.

ان قدرة الحكومة السورية على الصمود تعتمد على ثلاثة شروط، وهي الإصدار الناجح للصكوك في الربع الرابع من 2026 واستمرار الطلب ، واستمرار استيراد النفط دون انقطاع في الصراع الإقليمي ، وعدم تصاعد الاحتجاجات من مطالب اقتصادية إلى عدم ثقة سياسية. تحقيق هذه الشروط الثلاثة يوفر نافذة زمنية انتقالية لحكومة 2027 ، وفشل أي منها قد يؤدي إلى انهيار مالي أو اضطراب اجتماعي أوسع.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى