سياسةمحليات لبنانية

دراسة قانونية ودستورية :قانون الاعلام بين حق الرد والطعن في المجلس الدستوري (فريد جبور)

 

إعداد الدكتور فريد جبور – الحوارنيوز

مقدمة

أثار قانون الإعلام الجديد الذي أقرّه مجلس النواب اللبناني في 11 آب 2026 نقاشاً دستورياً واسعاً، ولا سيما بسبب الفقرة «ب» من المادة 104 التي أبقت عقوبة الحبس في مجال النشر، ونصّت، وفق الصيغة المتداولة، على معاقبة من يتعمّد اختلاق معلومات مضللة أو نشر أخبار كاذبة بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وتنبع خطورة هذه المادة من أنها لم تُدرج في قانون عقوبات عام فحسب، بل وردت في قانون يفترض أن تكون غايته تحديث البيئة الإعلامية، وحماية الصحافيين ومصادرهم، والانتقال من العقوبات السالبة للحرية إلى المسؤولية المدنية والمهنية. وقد أكد تحالف حرية الرأي والتعبير أن الاعتراض ينصبّ خصوصاً على الفقرة «ب» من المادة 104 بسبب غموض مفهوم «الأخبار الكاذبة» وقابليته للاستخدام في تقييد حرية التعبير. كما أعلن وزير الإعلام أن المادة جاءت استثناءً وأنه سيسعى إلى شطبها أو تعديلها. تحالف حرية الرأي والتعبير، تصريح وزير الإعلام

والسؤال المطروح ليس ما إذا كانت الدولة تملك مكافحة التضليل الإعلامي؛ فهذا هدف مشروع في ذاته، بل ما إذا كانت الصياغة المعتمدة تحترم شروط الشرعية الدستورية والجزائية: وضوح الجريمة، وتحديد عناصرها، وضرورة العقوبة، وتناسبها، وعدم تحويل القاضي الجزائي إلى سلطة تحدد، بعد النشر، ما يعدّ «حقيقة» وما يعدّ «خبراً كاذباً» وفق مفاهيم غير منضبطة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا البحث مبني على الصيغة المتداولة للمادة 104، لأن التقييم النهائي يجب أن يُطابق النسخة الرسمية المحالة إلى رئاسة الجمهورية، ثم النص المنشور في الجريدة الرسمية.

أولاً: هل يملك رئيس الجمهورية ردّ القانون؟

1. الأساس الدستوري

نعم، يملك رئيس الجمهورية حق طلب إعادة النظر في القانون، استناداً إلى المادة 57 من الدستور التي تقرر:

> «لرئيس الجمهورية، بعد اطلاع مجلس الوزراء، حق طلب إعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لإصداره ولا يجوز أن يرفض طلبه».

 

وعندما يمارس الرئيس هذا الحق، يصبح في حلّ من إصدار القانون إلى أن يعيد مجلس النواب مناقشته ويقرّه بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس قانوناً. وإذا انقضت مهلة الإصدار من دون إصدار القانون أو رده، عُدّ نافذاً حكماً ووجب نشره. نص المادة 57 من الدستور

وتُقرأ المادة 57 مع المادة 56 من الدستور التي تمنح رئيس الجمهورية مهلة شهر لإصدار القوانين بعد إحالتها إلى الحكومة، وتخفض المهلة إلى خمسة أيام إذا كان مجلس النواب قد قرّر استعجال إصدار القانون.

2. طبيعة الرد الرئاسي

ليس ردّ القانون «فيتو» نهائياً، بل اعتراض دستوري توقيفي ومعلّل يؤدي إلى إعادة فتح المناقشة النيابية. ولا يستطيع رئيس الجمهورية:

حذف المادة 104 بنفسه.

إصدار القانون مع التحفظ عليها.

إدخال تعديل مباشر على نص أقرّه مجلس النواب.

تجزئة الإصدار، فيصدر بعض المواد ويمتنع عن إصدار المادة 104.

فالمادة 51 من الدستور تخوّل الرئيس إصدار القانون وطلب نشره، لكنها لا تجيز له تعديل النص التشريعي. لذلك يكون المسار الدستوري الصحيح إما إصدار القانون كاملاً، وإما طلب إعادة النظر فيه وفق المادة 57، مع تحديد أسباب الاعتراض والمواد المطلوب تعديلها أو حذفها.

3. هل يمكن أن ينحصر طلب إعادة النظر بالمادة 104؟

يجوز أن تتناول رسالة الردّ المادة 104 تحديداً، وأن تبين أوجه مخالفتها للدستور والمواثيق الدولية. لكن الأثر الإجرائي للرد يطال القانون المحال، بمعنى أن مجلس النواب يعيد النظر فيه، وإن كان من الممكن عملياً حصر المناقشة والتعديل بالمادة المعترض عليها والمواد المرتبطة بها، ولا سيما المادة 105 إن كانت تتكامل معها عقابياً أو إجرائياً.

4. الأكثرية المطلوبة بعد الرد

إذا أعاد رئيس الجمهورية القانون، فلا يكفي لإقراره مجدداً أكثرية الحاضرين العادية، بل يجب إقراره بالغالبية المطلقة من مجموع أعضاء مجلس النواب الذين يتألف منهم قانوناً، أي خمسة وستين نائباً على الأقل، ما دام العدد القانوني للمجلس 128 نائباً.

ثانياً: إمكان الطعن أمام المجلس الدستوري

1. لا طعن قبل صدور القانون ونشره

المجلس الدستوري يمارس رقابة لاحقة على القوانين، لا رقابة استشارية سابقة عليها. لذلك لا يمكن الطعن بالنص لمجرد إقراره في مجلس النواب ما دام لم يصدر ولم يُنشر في الجريدة الرسمية.

قبل النشر، يكون العلاج الدستوري المتاح هو ردّ القانون من رئيس الجمهورية. أما بعد النشر، فيُفتح طريق مراجعة المجلس الدستوري.

2. أصحاب الصفة في الطعن

تحدد المادة 19 من الدستور أصحاب الصفة بمراجعة المجلس الدستوري في دستورية القوانين، وهم:

رئيس الجمهورية.

رئيس مجلس النواب.

رئيس مجلس الوزراء.

عشرة نواب على الأقل.

رؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً، ولكن حصراً في المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني.

ويؤكد الموقع الرسمي للمجلس الدستوري هذا الحصر. المجلس الدستوري اللبناني

وبناءً عليه، لا تملك نقابتا الصحافة والمحررين، ولا المؤسسات الإعلامية، ولا الصحافيون منفردين، صفة مباشرة للطعن أمام المجلس الدستوري. ويقتصر دورهم على إعداد الدراسة القانونية وإقناع إحدى السلطات المذكورة، أو عشرة نواب على الأقل، بتوقيع المراجعة وتقديمها.

3. مهلة الطعن

تُقدّم مراجعة الطعن خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ نشر القانون في الجريدة الرسمية. وهي مهلة إسقاط قصيرة يجب عدم انتظار انتهائها أو التعويل على وعود بتعديل القانون لاحقاً.

والعبرة ليست بتاريخ إقرار القانون في مجلس النواب، بل بتاريخ نشره رسمياً.

4. إمكان طلب الإبطال الجزئي

نعم، يمكن طلب إبطال الفقرة «ب» من المادة 104 وحدها، أو إبطال العبارات التي تنشئ التجريم وعقوبة الحبس، من دون طلب إسقاط قانون الإعلام بكامله.

ويكون الإبطال الجزئي ممكناً عندما تتوافر ثلاثة شروط:

1. أن يكون الجزء المطعون فيه قابلاً للفصل عن سائر القانون.

2. ألا يؤدي حذفه إلى تغيير جوهر المواد الأخرى بصورة تجعلها غير قابلة للتطبيق.

3. أن يبقى القانون، بعد الإبطال، متماسكاً وقابلاً للتنفيذ ومتفقاً مع غايته التشريعية الأساسية.

 

وهذه الشروط تبدو متوافرة مبدئياً في حالة المادة 104، لأن حذف تجريم «الأخبار الكاذبة» لا يؤدي إلى تعطيل تنظيم الإعلام أو حماية المصادر أو تنظيم المؤسسات الإعلامية والهيئة الناظمة والتمويل والشفافية. بل يمكن القول إن حذف الفقرة يعيد القانون إلى غايته الإصلاحية الأصلية القائمة على الانتقال من الحبس إلى المسؤولية المدنية والمهنية.

ثالثاً: أسباب الطعن الدستوري

السبب الأول: مخالفة المادة 13 من الدستور

تنص المادة 13 من الدستور اللبناني على أن حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة مكفولة ضمن دائرة القانون. المادة 13 واجتهاد المجلس الدستوري

ولا تعني عبارة «ضمن دائرة القانون» أن المشرّع يملك سلطة مطلقة في تقييد الحرية؛ وإلا أصبحت الحماية الدستورية بلا مضمون. فالقانون يستطيع تنظيم الحرية ووضع قيود ضرورية لحماية حقوق الغير والأمن العام والنظام العام، لكنه لا يستطيع إفراغها من جوهرها أو إحاطتها بقيود غامضة ومفرطة.

وعقوبة السجن التي قد تصل إلى ثلاث سنوات لا تؤثر في مرتكب الجرم وحده، بل تولّد أثراً ردعياً عاماً، يدفع الصحافي والباحث والناشر إلى الامتناع عن نشر معلومات مشروعة خشية أن يعتبرها القضاء لاحقاً «كاذبة» أو «مضللة». وهذا ما يعرف في الفقه الدستوري المقارن بـ«الأثر المجمِّد» أو Chilling Effect.

السبب الثاني: مخالفة مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

تنص المادة 8 من الدستور على أنه لا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون. غير أن مبدأ الشرعية لا يتحقق بمجرد وجود نص مكتوب؛ بل يجب أن يكون النص:

واضحاً.

محدداً.

قابلاً للتوقع.

مانعاً للتحكم.

محدداً للعناصر المادية والمعنوية للجريمة.

وتثير المادة 104 أسئلة لا يجيب عنها التعبير العام المتداول:

ما المقصود بـ«الأخبار الكاذبة»؟

هل يشمل الوصف الخبر غير الدقيق جزئياً؟

هل يشمل التوقعات والتحليلات والآراء السياسية؟

ما الفرق بين الخطأ الصحافي والكذب المتعمد؟

ما المقصود بـ«المعلومات المضللة»؟

هل يشترط حصول ضرر فعلي؟

هل يشترط وجود خطر جدي ومباشر على مصلحة محمية؟

من يحدد الحقيقة في القضايا السياسية والتاريخية والعلمية المتنازع عليها؟

هل يُعاقب ناقل الخبر إذا ثبت لاحقاً عدم صحته، رغم اعتماده مصدراً كان يعتقد بصدقيته؟

وحتى إذا اشترط النص التعمد، فإن عنصر النية وحده لا يعالج غموض السلوك المادي. فلا يكفي القول إن الفاعل «تعمّد» النشر إذا بقي موضوع الجريمة، أي الكذب أو التضليل، غير محدد بمعايير دقيقة.

وقد سبق للمجلس الدستوري اللبناني أن أبطل نصوصاً تشريعية بسبب غموضها، ومن أبرز الأمثلة القرار رقم 23/2019 الذي انتهى إلى إبطال مادة لمخالفتها الدستور بسبب عدم الوضوح. ومن ثم يمكن تأسيس الطعن على مبدأ الأمن القانوني ووجوب وضوح القاعدة التشريعية، بصورة أشد صرامة حين تكون القاعدة جزائية سالبة للحرية.

السبب الثالث: انتهاك مبدأ الضرورة والتناسب

ليست كل وسيلة تحقق هدفاً مشروعاً وسيلة دستورية. يجب أن تكون العقوبة:

1. صالحة لتحقيق الهدف.

2. ضرورية، بحيث لا توجد وسيلة أقل تقييداً.

3. متناسبة مع الضرر المراد منعه.

 

إن حماية المجتمع من حملات التضليل المنظمة هدف مشروع، لكن معاقبة النشر بالحبس مدة تصل إلى ثلاث سنوات لا تبدو الوسيلة الأقل تقييداً، خصوصاً مع إمكان استعمال:

حق الرد والتصحيح.

التعويض المدني.

الغرامات المتناسبة.

نشر الحكم.

التدابير المهنية.

إلزام المنصة بإظهار التصحيح.

المسؤولية عن الضرر المثبت.

التجريم المحدد في حالات استثنائية، كالتزوير والاحتيال والتحريض المباشر على العنف أو تهديد الأمن العام بخطر واضح ومحدد.

فإذا أمكن تحقيق الغاية بوسائل أقل مساساً بحرية التعبير، تصبح العقوبة السالبة للحرية غير ضرورية وغير متناسبة.

السبب الرابع: مخالفة مقدمة الدستور والمواثيق الدولية

تؤكد الفقرة «ب» من مقدمة الدستور التزام لبنان بمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجسيد مبادئها في مختلف المجالات.

وتحمي المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية التماس المعلومات وتلقيها ونقلها. ولا تجيز تقييدها إلا إذا كان القيد:

منصوصاً عليه بقانون واضح.

موجهاً إلى غاية مشروعة محددة.

ضرورياً في مجتمع ديمقراطي.

متناسباً مع الغاية المقصودة.

وأكدت لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 34 أن القيود لا يجوز أن تعرّض الحق نفسه للخطر، وأن العلاقة بين الحرية باعتبارها أصلاً والقيود باعتبارها استثناءً لا يجوز قلبها. كما شددت على دور الصحافة الحرة في مناقشة الشؤون العامة وإعلام الرأي العام من دون رقابة أو تضييق. التعليق العام رقم 34

وبذلك لا تكون المعاهدة مجرد مرجع تفسيري بعيد، بل جزءاً من الكتلة الدستورية التي يستعين بها المجلس الدستوري في تحديد مدى احترام القانون للحقوق الأساسية.

السبب الخامس: اتساع التفويض الممنوح لسلطتي الملاحقة والحكم

كلما اتسعت العبارات الجزائية، اتسع معها هامش السلطة التقديرية للضابطة العدلية والنيابات العامة والمحاكم. ويؤدي ذلك إلى تفاوت التطبيقات، بحيث قد يعتبر خبر معين خطأ مهنياً في حالة، وجريمة تستوجب السجن في حالة أخرى.

وهذا التفويض الواسع قد يفضي إلى:

ملاحقات انتقائية.

استخدام النص ضد الصحافة الاستقصائية.

حماية المسؤولين من النقد.

الضغط على الصحافيين لكشف مصادرهم.

الخلط بين الخطأ المهني والجرم الجزائي.

جعل السلطة العامة حكماً في صحة المعلومات المتعلقة بأعمالها.

فالقاعدة التي تمس حرية أساسية لا يجوز أن تترك للسلطة المكلفة بتطبيقها صلاحية شبه مطلقة في تحديد الأفعال الممنوعة.

السبب السادس: الإخلال بالأمن القانوني وإمكان توقع النتائج

الأمن القانوني يقتضي أن يعرف المخاطب بالقانون مسبقاً حدود السلوك المباح والمحظور. أما عبارة «معلومات مضللة» فتسمح بإدخال طيف واسع من الأفعال في التجريم، من الخطأ في رقم أو تاريخ، إلى اختيار عنوان مثير، إلى عرض رأي مخالف للرواية الرسمية.

وقد يؤدي ذلك إلى الرقابة الذاتية، لا لأن الصحافي يريد نشر الكذب، بل لأنه لا يستطيع توقع المعيار الذي ستعتمده المحكمة بعد أشهر أو سنوات.

السبب السابع: عدم انسجام المادة مع الغاية العامة للقانون

إذا كان قانون الإعلام الجديد قد بُني على إلغاء التوقيف الاحتياطي، وإنهاء اختصاص القضاء العسكري في قضايا الإعلام، والانتقال من العقوبة الجزائية إلى المسؤولية المدنية، فإن إعادة الحبس تحت عنوان عام هو «الأخبار الكاذبة» قد تناقض فلسفة القانون وأسبابه الموجبة.

ولا تشكل مخالفة الأسباب الموجبة وحدها سبباً كافياً للإبطال، لكنها تساعد على إثبات:

عدم اتساق النص.

غياب الضرورة.

إمكان تحقيق الغاية بوسائل أقل تقييداً.

كون المادة استثناءً واسعاً يبتلع القاعدة الإصلاحية.

السبب الثامن: احتمال مخالفة مبدأ المساواة

تنص المادة 7 من الدستور على مساواة اللبنانيين أمام القانون. ويمكن إثارة هذا السبب إذا تبين من النص النهائي أن المادة تميز بلا مبرر موضوعي بين:

الصحافي المهني وسائر المواطنين الذين ينشرون المعلومات عبر المنصات.

الإعلام التقليدي والإعلام الإلكتروني.

المؤسسة الإعلامية والناشر الفردي.

فئات إعلامية مختلفة ترتكب الفعل نفسه.

لكن نجاح هذا السبب يتوقف على التعريفات والنطاق الشخصي الواردين في النص الرسمي، لذلك لا يجوز الجزم به قبل الاطلاع على النسخة النهائية الكاملة.

رابعاً: الحجج المقابلة المحتملة

قد تدفع الجهة المدافعة عن دستورية المادة بأن حرية التعبير ليست مطلقة، وأن التضليل الإعلامي قد يهدد الأمن الوطني والسلم الأهلي والاقتصاد والصحة العامة وحقوق الأفراد.

وهذه الحجة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تكفي لتصحيح المادة. فالمشكلة ليست في شرعية الهدف، بل في اتساع الوسيلة. وللدفاع عن دستورية النص يجب إثبات أن:

الفعل المجرّم محدد بدقة.

الكذب موضوعي وليس مجرد رأي مخالف.

العلم بالكذب ثابت.

القصد الخاص بإحداث ضرر محدد مطلوب.

الضرر أو الخطر جدي ومباشر.

المصلحة المحمية محددة.

الملاحقة محاطة بضمانات إجرائية.

العقوبة متناسبة ولا يمكن استبدالها بتدبير أقل مساساً بالحرية.

فإذا خلا النص من هذه العناصر، يبقى التجريم عاماً ومفتوحاً، وتزداد قوة طلب الإبطال.

خامساً: ما النتيجة المحتملة أمام المجلس الدستوري؟

يمكن تصور ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: الإبطال الجزئي

وهو الأقرب إلى حماية الحرية، ويتمثل في إبطال الفقرة «ب» من المادة 104 أو العبارات المتعلقة بالأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة وعقوبة الحبس، مع إبقاء بقية القانون نافذة.

وهذا الحل يحافظ على المكتسبات الإصلاحية للقانون ويزيل الجزء غير الدستوري القابل للفصل.

الاتجاه الثاني: الإبطال الترابطي

قد يرى المجلس أن الفقرة المطعون فيها مرتبطة بمواد أخرى، فيبطل معها الأحكام التي لا يمكن فصلها عنها، كالمادة التي تحدد العقوبة أو المرجع القضائي أو المسؤولين عنها.

لذلك يجب ألا تقتصر مراجعة الطعن على رقم المادة 104 شكلياً، بل ينبغي طلب إبطالها وإبطال كل عبارة أو مادة مرتبطة بها ارتباطاً لا يقبل التجزئة.

الاتجاه الثالث: رد الطعن مع تفسير مضيق

قد يحاول المجلس الحفاظ على النص عبر تفسيره تفسيراً ضيقاً، فيحصره بالنشر المتعمد لمعلومة يعلم الناشر يقيناً كذبها، مع قصد خاص بإحداث ضرر خطير ومحدد.

لكن هذا الاتجاه أقل ضماناً للحريات، لأن مبدأ الشرعية الجزائية يفرض أن يتولى المشرع نفسه تحديد عناصر الجريمة، لا أن يعيد القاضي الدستوري كتابة النص. فالتفسير لا يجوز أن يتحول إلى إنشاء تشريع جزائي جديد.

سادساً: أي المسارات أفضل؟

يمكن ترتيب الخيارات على النحو الآتي:

المسار التوقيت الميزة الملاحظة

ردّ القانون وفق المادة 57 قبل الإصدار والنشر يمنع دخول المادة حيز النفاذ الأفضل دستورياً حالياً
الطعن بالإبطال الجزئي خلال 15 يوماً من النشر يفضي إلى إلغاء ملزم ونهائي يحتاج جهة مخولة أو عشرة نواب
قانون تعديلي لاحق بعد صدور القانون يعالج النص تشريعياً قد يتأخر ولا يوقف المخاطر فوراً
تفسير قضائي مضيق عند تطبيق القانون يخفف نطاقه غير كافٍ أمام غموض النص وعقوبة الحبس

سابعاً: المقترح القانوني

1. المقترح الأساسي: ردّ القانون الآن

أقترح أن يمارس رئيس الجمهورية صلاحية المادة 57، ما دامت مهلة الإصدار قائمة، وأن يرد القانون إلى مجلس النواب برسالة معللة تركز على:

مخالفة المادة 104 للمادتين 8 و13 من الدستور.

مخالفتها لمقدمة الدستور والمادة 19 من العهد الدولي.

غموض عبارتي «الأخبار الكاذبة» و«المعلومات المضللة».

عدم تناسب عقوبة الحبس.

تعارض المادة مع الغاية الإصلاحية للقانون.

ضرورة شطب الفقرة «ب» أو استبدالها بنظام مدني دقيق للمسؤولية.

والردّ الرئاسي هنا ليس اعتراضاً على تنظيم الإعلام، بل وسيلة لحماية قانون مهم من ثغرة قد تعرّضه للإبطال الجزئي وتنتقص من مشروعيته.

2. التحضير المتوازي للطعن

ينبغي منذ الآن إعداد مراجعة طعن احتياطية والحصول على تواقيع عشرة نواب، كي تُودع فور نشر القانون إذا لم يُردّه الرئيس أو إذا أعاد مجلس النواب إقراره من دون معالجة الخلل.

ويجب أن تتضمن المطالب:

> قبول المراجعة شكلاً، وفي الأساس إبطال الفقرة «ب» من المادة 104 من قانون الإعلام، وإبطال كل حكم مرتبط بها ارتباطاً غير قابل للتجزئة، لمخالفتها المواد 7 و8 و13 ومقدمة الدستور، ومبادئ الشرعية الجزائية والأمن القانوني والضرورة والتناسب، مع إبقاء سائر أحكام القانون التي يمكن فصلها عنها نافذة.

 

3. عدم الاكتفاء بوعد التعديل اللاحق

الوعد بتقديم قانون تعديلي إيجابي سياسياً، لكنه لا يشكل ضمانة قانونية. فقد يتأخر الاقتراح في اللجان، أو يتغير مضمونه، أو لا تتوافر له الأكثرية. كما أن نشر القانون يبدأ مهلة الطعن القصيرة، ولا يؤدي تقديم اقتراح تعديل إلى وقفها.

لذلك لا ينبغي التضحية بحق الطعن انتظاراً لتعديل محتمل.

4. البديل التشريعي المناسب

الأفضل إلغاء التجريم العام للأخبار الكاذبة، والإبقاء على المسؤولية فقط عندما يثبت:

نشر واقعة محددة قابلة للتحقق، لا رأي أو تحليل.

علم الناشر الفعلي بكذبها.

قصد خاص بإحداث ضرر جسيم.

حصول ضرر فعلي أو خطر جدي ومباشر.

وجود علاقة سببية بين النشر والضرر.

عدم إمكان معالجة الضرر بحق الرد أو التصحيح أو التعويض المدني.

وعند ثبوت المسؤولية، تكون الأولوية للتصحيح، ونشر الرد، والتعويض المدني المتناسب، لا للحبس.

خاتمة

إن المادة 104، وفق الصيغة المتداولة، تفتح باباً جدياً وقوياً للطعن بالإبطال الجزئي أمام المجلس الدستوري، وبصورة خاصة الفقرة «ب» المتعلقة بالأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة. وأقوى أسباب الطعن تتمثل في غموض التجريم، ومخالفة حرية التعبير، والإخلال بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وعدم تناسب الحبس مع طبيعة الفعل، واتساع السلطة التقديرية الممنوحة لجهات الملاحقة والمحاكمة.

لكن المسار الأكثر حكمة في المرحلة الحالية هو ألا يُترك النص حتى يدخل حيز النفاذ. فرئيس الجمهورية، بوصفه رئيس الدولة والساهر على احترام الدستور وفق المادة 49، يملك بمقتضى المادة 57 أن يعيد القانون إلى مجلس النواب ضمن مهلة الإصدار. ويبدو رد القانون مع طلب حذف الفقرة «ب» من المادة 104، أو إعادة صياغتها جذرياً وإلغاء الحبس منها، الحل الدستوري الأسرع والأكثر انسجاماً مع حماية حرية الإعلام.

فالدولة الديمقراطية لا تكافح الكذب بعبارات تشريعية غامضة، ولا تحمي الحقيقة بوضعها تحت وصاية السلطة الجزائية. الحقيقة تُحمى بحرية التحقيق، وحق الرد، وشفافية المؤسسات، واستقلال القضاء، والمساءلة المدنية المتناسبة. أما النصوص الفضفاضة، فقد تبدأ بملاحقة التضليل، لكنها قد تنتهي إلى معاقبة الاختلاف والنقد وكشف الفساد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى