حين تتسع فجوة المواطنة بين الجنوب والدولة (اسامة مشيمش)

بقلم الدكتور أسامه توفيق مشيمش – الحوارنيوز
يوماً بعد يوم، تتسع فجوة المواطنة بين أبناء الجنوب والدولة اللبنانية، ليس لأن الجنوبيين يرفضون الدولة أو يتنكرون لفكرة الوطن، بل لأنهم يشعرون بأن المطلوب منهم يتجاوز الموقف السياسي من المقاومة إلى ما هو أعمق من ذلك؛ أي إلى إعادة النظر في منظومة فكرية وعقائدية متجذّرة في وجدانهم، دفعت أجيالٌ من أبناء الجنوب أثماناً باهظة دفاعاً عنها.
فالجنوب ليس مساحة جغرافية هامشية في التاريخ اللبناني، بل هو جزء أصيل من تاريخ التشيّع في لبنان. ومنذ أن وطئت أقدام أبي ذر الغفاري أرض جبل عامل، مرابطاً ثم منفياً، حاملاً ولاءه للإمام علي بن أبي طالب، تشكلت في هذه المنطقة ذاكرة دينية وثقافية تركت أثراً عميقاً في وجدان أهلها. ومن هنا، فإن التعامل مع المقاومة بالنسبة إلى شريحة واسعة من الجنوبيين لا ينحصر في بعدها العسكري أو السياسي، بل يرتبط، بدرجات متفاوتة، بمفهوم العقيدة والهوية والكرامة والوجود.
وقد يختلف الجنوبيون أنفسهم في نظرتهم إلى الولاية، أو في تفاصيل المرجعية الفقهية والسياسية، كما اختلف الفقهاء في بعض جوانب مفهوم المقاومة وحدودها وشروطها؛ إلا أن القاسم المشترك بينهم هو الإيمان بحق الإنسان في الدفاع عن أرضه وكرامته ووجوده، ورفض أن يتحول الجنوب إلى منطقة مستباحة أو مقضومه.
ولعل أكثر ما يثير القلق اليوم أن يتحول الخلاف السياسي حول المقاومة إلى خلاف على هوية الجنوبيين وموقعهم في الدولة. فالمطلوب ليس من المواطن أن يتبرأ من عقيدته أو من تاريخه، وإنما أن يجد في دولته مساحة آمنة لممارسة مواطنته دون أن يُطلب منه التخلي عن قناعاته الدينية والثقافية.
لقد دفع الإمام موسى الصدر ثمناً غالياً من أجل مشروع مختلف؛ مشروع الدولة العادلة، والسلم الأهلي، والعيش المشترك، وتعزيز المواطنة، وصولاً إلى دولة مدنية تحمي أبناءها وتصون حقوقهم. وكان الصدر يرى أن قوة لبنان لا تكون في الانقسام بين طوائفه ومناطقه، بل في تحويل التنوع إلى مصدر قوة، وفي جعل الدولة مرجعية عادلة لجميع أبنائها.
واليوم، يبدو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بصورة مختلفة. فبدلاً من تعزيز مفهوم الدولة المدنية العادلة، تتنامى خطابات الانقسام والتخوين والتشرذم، ويُدفع المواطن الجنوبي إلى الشعور بأن هويته السياسية أو الدينية باتت موضع اتهام دائم.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى: حين يشعر المواطن أن دولته لا تتسع لهويته، تتراجع الثقة بالدولة وتتقدم العصبيات المناطقية والطائفية. وهذا تحديداً ما يجب أن نتجنبه.
إن حماية لبنان لا تكون بإقصاء الجنوب، ولا بمحاصرة قناعات أبنائه، ولا بتحويل المقاومة إلى عنوان دائم للانقسام الداخلي، بل ببناء دولة عادلة يشعر فيها الجنوبي، كما يشعر ابن الشمال والبقاع وبيروت والجبل، بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات.
فالمطلوب اليوم ليس لبناناً ينتصر فيه فريق على آخر، بل لبنان ينتصر فيه مفهوم المواطنة على الانقسام. ذلك أن إضعاف الجبهة الداخلية وتفكيك النسيج الوطني لن يخدم إلا المشروع الإسرائيلي الساعي إلى فرض وقائع جديدة في الجنوب والاستفادة من موقعه وثرواته المائية والاقتصادية، وتوظيف روايات تاريخية ودينية لتبرير أطماعه.
ومن هنا، فإن معركة لبنان الحقيقية ليست بين اللبنانيين، بل في منع تحويل اختلافاتهم إلى جسر تعبر عليه الأطماع الخارجية. والجنوب، بدل أن يكون عنواناً للخلاف، يجب أن يكون عنواناً لوحدة لبنان وسيادته وكرامة أبنائه.



