رأي

مفاوضات واشنطن : محاولة تغيير عقيدة الجيش اللبناني ودوره ( أحمد حوماني)

 

 د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

قبل أي كلام فإنني أؤمن بأن فعل المقاومة يستمد شرعيته من الأعراف والدساتير الدولية، وتضمنه شرعة الأمم المتحدة، وكل القوانين التي تُعنى بحقوق الإنسان كإنسان، كما أنني أعتبر أن سلاح المقاومة ليس بحاجة إلى اكتساب شرعية من أي حكومة أو سلطة، أياً كانت هذه السلطة وهذه الدولة، بل أكثر من ذلك، أؤمن أن المقاومة هي حق يُمارسه أي شخص للدفاع عن أرضه وعرضه وبلده، ولا يستطيع أي شخص مهما علا شأنه أن يسلبه هذا الحق، كما أنني أؤمن أن المقاومة هي فعل غريزي زرعه الله تعالى في النفس البشرية، وهو جزء لا يتجزأ من إنسانيته.

كذلك فإنني أؤمن بأن الجيش، أي جيش في أي دولة في العالم، يتم تشكيله للدفاع عن حدود الوطن ضد أي اعتداء من جهة حدودية أتى، وأن الجيش هو ضمانة وحدة الوطن بحدوده، وهويته الوطنية، والحفاظ عليه وطناً نهائياً لجميع أبنائه، كما أؤمن أن الجيش يتبع للسلطة السياسية، وليس له أن يتفرد بقراراته، بل ينفذها بحذافيرها، لكن عند حدوث أي عدوان خارجي فهو مخوّل بالتصدي له، حتى من دون الرجوع إلى السلطة السياسية، وإلا فقد شرعية وجوده.

في كل دول العالم ينتشر الجيش على الحدود البرية والبحرية، ويُنشئ شبكة من المراقبة البصرية والإلكترونية، ويقطع الطريق على كل من يريد الدخول بطريقة غير شرعية لأي سبب كان، وهو دائماً في حالة من الجهوزية العسكرية لصد أي اعتداء، ونادراً ما يتم الاستعانة بالجيش في القضايا الداخلية، التي هي من صلب عمل الأمن الداخلي والأمن العام، إلا في الحالات المستعصية التي تُشكّل خطراً على الدولة ككيان، وليس على السلطة والحكومة التي تتغير بتغير الأيام والأحوال. لكن في لبنان، ومنذ نشوئه يُستخدم الجيش كأداة في القضايا الداخلية – كشرطة وقوى أمن – وكأنه وجد لحماية سلطة يجب الحفاظ عليها من تقلبات الداخل، وليس للدفاع عن الدولة من العدوان الخارجي.

صحيح ما يقوله رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، من أن الدولة يجب أن تبسط سلطتها على كامل أراضيها، وأن السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، وأن الدولة هي صاحبة قرار الحرب والسلم، وهذا مما لا يُناقش فيه أحد، لكن الصحيح أيضاً أن السلطة كما تُطالب بحقوقها، فعليها واجبات يفترض أن تقوم بها، وعلى رأس تلك الواجبات حماية أرضها وشعبها من أي عدوان خارجي، وهذا ما لم تفعله السلطة منذ قيامها عام 1943، فهي تخلّت عن جزء كبير من شعبها، وتركته يواجه مصيره لوحده منذ نشوء الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين المحتلة، بل ورفضت كل عمل حاول الجيش اللبناني أن يقوم به لمواجهة الاعتداءات الصهيونية منذ خمسينيات القرن الماضي، وحاسبت عناصره في بعض الأحيان لتصديهم للعدوان، وإذا عدنا للسجلات التاريخية، نجد آلاف الاعتداءات والقتل والتهجير الذي مارسته العصابات الصهيونية على الجنوب، والمجازر التي ارتكبتها هناك، والسلطة غائبة تحت شعار أن الجيش ضعيف، ولا يقوى على مواجهة العدوان الصهيوني، ونفس هذه السلطة هي التي شرّعت العمل الفلسطيني المسلح في اتفاق القاهرة، الذي وقّعه رئيس الجمهورية شارل الحلو وقائد الجيش إميل البستاني. أما التاريخ الحديث فحدث ولا حرج، فمنذ العام 1978 وحتى يومنا الحاضر لم تتوقف الاعتداءات على الجنوب اللبناني، ولم تحرك السلطة الجيش اللبناني للتصدي لهذه الاعتداءات تحت نفس المقولة: عدم القدرة والضعف.

اليوم يُريد الرئيس جوزيف عون والرئيس نواف سلام تناسي كل الماضي والبدء بالتأريخ للبنان من السابع من أكتوبر من العام 2023، وكأن لبنان كيان أُنشئ في ذلك التاريخ، ويطالبون بحقوق السلطة على الشعب، ويتناسون واجباتهم أمام الشعب في الحماية والدفاع عنه. نحن كذلك نريد أن نتناسى التاريخ، وحتى لو كانت المقاومة اليوم فصيلاً خارجاً عن إرادة السلطة كما يدّعون، فإن ذلك لا يُعفي الدولة من حماية شعبها والدفاع عنه، ولا يكون ذلك إلا بوجود جيش قوي، يصدّ العدوان، ويحمي الحدود. كان على السلطة أن تستغل اتفاق تشرين 2024 لتسليح الجيش وتقويته، ليصبح لديه القدرة على المواجهة والدفاع عن أهله، حتى يطمئن الشعب له ولقواه، لكنها على مدى سنة وثلاثة أشهر لم تُحرّك ساكناً، وبقيت على معزوفتها البالية التي يدل تردادها على ضعف هذه السلطة ووهنها، وأصبحت كلماتهم ممجوجة لدرجة أن الأذن تستاء لسماعها.

ثم كان القرار الخطير بالدخول في المفاوضات المباشرة مع من يحتل الأرض، ويدمر الحجر، ويرتكب الجرائم بحق الصغير والكبير، ويقتل جنود الجيش اللبناني على الطرقات، وقوى الأجهزة الأمنية في مراكز عملها دون أن يرف للرئيسين جفن، أو حتى أن يُشيرا إلى العدو بالبنان، ويقيمان حملة سياسية ودبلوماسية ضده في المنتديات العالمية ومؤسسات المجتمع الدولي.

لعل أخطر ما في هذه المفاوضات ليس التنازل عن حقوق لبنان في الانسحاب الصهيوني العاجل من الأراضي التي احتلها، ولا تبرير عدوانيته بحجج واهية ، ولا تبرير إذلاله لهم، وتهكّمه عليهم في اجتماعات واشنطن، ولا حتى المطالبة بنزع سلاح المقاومة بالتضامن مع هذا العدو الغاشم. إن الأخطر من كل ذلك هو السعي الدؤوب لتغيير عقيدة الجيش، وهويته الوطنية، وقد تبين ذلك من عدة أمور:

أولها زج الجيش في المفاوضات العسكرية المباشرة، مع ما ينطوي ذلك على إذلال له أمام ضباط جيش متغطرس، لا يملّ من توجيه الإهانات لهم، والتعامل معهم كخدم له ينفذون أوامره.

وثاني تلك الأمور هو تشكيل الوفد العسكري على أساس طائفي، وهو أمر يضرب في صميم الجيش الوطني الذي سعت قيادته إلى الحفاظ على وحدته، وإبعاده عن كل تلك المتاهات الطائفية التي يُتقنها ساسة لبنان.

وثالث تلك الأمور هو قرار إيجاد مناطق تجريبية، وهو انتقاص صريح من قدرة وقيمة الجيش وضباطه وقيادته، فما المقصود بالتجربة؟ وهل الجيش دخيل على أرضه ووطنه ليصار إلى تجربته؟ ومن سيجربه؟ العدو الصهيوني؟ إن مجرد القبول بهذا الأمر هو طعنة في مصداقية الجيش ووطنيته، ولسنا ندري كيف رضي الرئيس جوزيف عون بذلك! وكيف ترضى السلطة السياسية بذلك أيضاً؟

ورابع هذه الأمور أنهم جعلوا الجيش قوة أمنية تُنفّذ طلبات الاحتلال بشكل مباشر، أي أن الجيش سيتحول إلى ما يشبه روبوتات، يرسله العدو الصهيوني إلى البيوت والوديان يُفتش له عن فريسته، وما عجز عنه العدو الصهيوني لسنوات مطلوب من الجيش اللبناني أن يقوم به، وبإذلال وهوان.

وخامسها أن يُداهم بيوت أهله، ويُفتشها، ويعتقلهم، إذا طلب منه الصهيوني ذلك، وهكذا يتحول جنود وضباط الجيش اللبناني وكأنهم عملاء مباشرين للعدو.

 وسادسها جعل الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع أهل بلده مما يُفقده احترامهم ومحبتهم.

وأخيراً لا ندري لماذا كلما وجد الجيش سلاحاً يجب عليه تدميره، وهو بأمس الحاجة إليه، ألا يُشكل ذلك إحباطاً معنوياً له؟

إن كل هذه الأمور التي ذكرناها تؤسس لتغيير هوية الجيش الوطنية، وجعله تابعاً لأهواء قادة جيش العدو الصهيوني، وشرطياً لهم، يرسلونه لقضاء حاجاتهم الأمنية والعسكرية، وإلغاء فكرة أن الجيش هو للدفاع عن الوطن وحدوده، وحماية أهله، وتحويل دوره لميليشيا عميلة تُنفذ إرادة المحتل، كما كانت ميليشيات العميل أنطوان لحد، أو كما هي ميليشيات محمود عباس في رام الله، أو كما هي جيوش المخابرات في بعض الدول العربية. هذا ما نفهمه مما نتج عن المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني في واشنطن، فهل هذا ما يسعى إليه الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام؟.. لكننا على الأقل نعرف أن هذا ما تريده واشنطن وتل أبيب.

حتى لا يكون ما ذكرناه صحيحًا، على الرئيسين وقبل كل شيء الحفاظ على هوية الجيش ودوره ووحدته، وإعادة تصويب بوصلته نحو عدوه الحقيقي، وهو العدو الصهيوني، وعليهما التخلي عن كل الحجج الواهية بضعف الجيش، فالجيش ليس ضعيفاً، الجيش قوي بإرادته وحقه. نعم هو غير مجهّز بالسلاح الكافي للمواجهة، وهذا الأمر نتيجة تخاذل السلطة عن دعمه ونصرته. إن واجبكم هو السعي لتسليح الجيش اللبناني، ليكون قادراً على الدفاع عن أرضه وشعبه بكل الأسلحة المناسبة لذلك. ولنا كل الثقة بضباط الجيش المتقاعدين والحاليين وبهذه القيادة الحكيمة، وهم بالتأكيد يستطيعون تحديد متطلبات ونوعية أسلحة معركتهم مع العدو الصهيوني، ويبقى عليكم تجهيزهم وتسليحهم من أي مصدر، والمصادر كثيرة إذا صفت سرائركم ونياتكم، ثم يكون بعدها حديثكم عن سلاح المقاومة كلام حق يُراد به حق.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى