رأي

بيانٌ يُقرأ بالذلّ لا بالحبر (بتول محي الدين)

 

كتبت بتول محي الدين – الحوارنيوز

منذ ليل أمس وأنا أحاول أن أقرأ البيان. أقلب كلماته يمينًا ويسارًا، أبحث بين سطوره عن شيءٍ من العدالة، عن جملةٍ واحدةٍ تنصف الأرض وأهلها، عن إشارةٍ إلى حقّ شعبٍ عاش عمره يدافع عن بيته وحدوده وكرامته. لكنّني كلّما أعدت القراءة ازددت حيرةً، وكأنّ الكلمات كُتبت بلغةٍ لا تشبه لغة الأوطان.

نعم، لا تُشبه الأوطان… كيف يُطلب من أبناء الأرض أن يتراجعوا عن الدّفاع عنها، فيما يبقى المعتدي في مكانه، لا يُسأل عمّا فعل ولا يُحاسَب على ما دمّر؟ كيف يُصبح المطلوب من الضّحية أن تثبت حسن سلوكها، بينما يُمنح الجلّاد حريّة الحركة والقرار؟

أيّ منطقٍ هذا الذي يساوي بين من يتمسّك بأرضه ومن يعتدي عليها؟ وأيّ عدالةٍ تلك التي تجعل حقّ الدفاع عن النفس موضع اتّهام، فيما يُترك القتل والدّمار بلا مساءلة؟

ثمّ يقال للبنان إنّ سيادته تمرّ عبر مزيدٍ من الضغوط عليه وحده، وكأنّ السّيادة لا تكتمل إلّا عندما يُطلب من الضعيف أن يقدّم التنازلات، فيما يُعفى القويّ من أي التزام. ويُراد له أن يُفصل عن كلّ مسارات التفاوض والتسويات، ليواجه وحده عواصف السّياسة وموازين القوى المختلّة.

والأشدّ مرارةً أنّ بعض الخطابات تُحاول إعادة رسم صورة الواقع بحيث يُصبح العدوّ شريكًا في تعريف الخطر، ويُطلب من النّاس أن يبدّلوا ذاكرتهم وتاريخهم ومعاناتهم بقرارٍ سياسيّ أو بيانٍ دبلوماسيّ. لكنّ الأوطان لا تُبنى على محو الذاكرة، ولا تُصان الكرامة بإنكار التضحيات.

وكأنّ الأمر لا يقتصر على فرض معادلاتٍ سياسيّةٍ جديدة، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة رسم حدودٍ مختلفةٍ للوطن نفسه؛ حدودٍ يصبح فيها الجنوب مساحةً مستباحةً للعدوان، تُفتح فوقها سماء القصف وتُترك أرضها لتهديدات المحتلّ، فيما يُمنع عنها حقّ الرّدع وحقّ الدفاع. وكأنّ وقف النار مطلوبٌ في كلّ لبنان إلا هناك، وكأنّ أبناء تلك الأرض مطالبون بأن يدفعوا وحدهم ثمن الأمن والاستقرار عن سائر البلاد. أيُعقل أن تُحمى الأوطان بتجريد جزءٍ منها من حقّه في الحماية؟ وأيّ سيادةٍ تلك التي تبدو عاجزةً عن صون أرضها أو ردع من ينتهكها؟ إنّ أخطر ما في هذه المعادلات أنّها توحي، ولو بصورةٍ غير مباشرة، بأنّ الجنوب يُعامل كقضيّةٍ منفصلةٍ عن الوطن، لا كجزءٍ أصيلٍ منه، مع أنّ ترابه امتزج بدماء أبنائه دفاعًا عن لبنان كلّه، لا عن منطقةٍ دون أخرى.

والأخطر من كلّ ما سبق أنّ مثل هذه الطروحات لا تهدّد السّلم الوطنيّ من الخارج فحسب، بل قد تزرع بذور انقسامٍ داخليّ عميق. فعندما يُدفع النّاس إلى الاعتقاد بأنّ المشكلة تكمن فيمن يدافع عن أرضه لا فيمن يعتدي عليها، وعندما يُوضع أبناء الوطن الواحد في مواجهةٍ سياسيّةٍ وأخلاقيّةٍ حول معنى الدّفاع والكرامة والسّيادة، يُصبح الخوف مشروعًا من أن تتحوّل البوصلة عن وجهتها الحقيقيّة. عندها لا يعود الخطر محصورًا عند الحدود، بل يمتدّ إلى النسيج الوطنيّ نفسه، وكأنّ المطلوب أن ينشغل اللبنانيّون ببعضهم بعضًا بدل أن يتّحدوا لحماية وطنهم.

وما من وطنٍ يربح حين يُدفع أبناؤه إلى التخاصم حول حقّه في البقاء، أو حين يُصبح المدافع عن الأرض موضع اتهامٍ بدل أن يكون موضع نقاشٍ وطنيّ جامع، أو حين يُوضع جيشه، الذي من واجبه حماية الأرض وصون السّيادة، في موقعٍ يبدو فيه وكأنّه في مواجهةٍ مع من حملوا عبء الدّفاع عن بيوتهم وقراهم وأهلهم عندما كانت الأرض تحت النّار. فالأوطان تُبنى بالتكامل بين أبنائها ومؤسساتها، لا بإشعال الشّكوك بينهم ولا بإعادة تعريف العدوّ والحليف وفق ما تقتضيه موازين السّياسة العابرة.

لهذا كلّه، لم أستطع أن أقرأ البيان كما تُقرأ البيانات عادةً. كنتُ أشعر أنّ الحروف مثقلةٌ بشيءٍ آخر غير الحبر؛ مثقلةٌ بالإذعان، وبالضّغط، وبمحاولة فرض واقعٍ لا يُشبه ما عاشه النّاس وما دفعوا ثمنه من دمائهم وأعمارهم.

فكيف يُقرأ نصٌّ يرى فيه كثيرون أنّ العدالة غائبة، وأنّ ميزان الحقّ مائل، وأنّ الكرامة الوطنيّة موضوعة على طاولة المساومات؟

ربّما لهذه الأسباب مجتمعة بدا لي أنّه بيانٌ كُتب بالذلّ لا بالحبر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى