رأي

ضبابية وقف النار: هل نشتري هدوء الضاحية بدماء الجنوب؟ (وليد بركات)

 

كتب وليد بركات – الحوارنيوز 

 

الساعات الـ48 الماضية كانت لوحة كاملة للعبث السياسي اللبناني. تهديد إسرائيلي بقصف الضاحية، رد إيراني بضرب شمال إسرائيل، وساطة قطرية-أميركية، ضمانة من الرئيس نبيه بري، موافقة من حزب الله على وقف إطلاق نار شامل، إعلان ترامب، ثم تهديد جديد من نتنياهو. 

 

لكن وسط كل هذا الضجيج، سؤال واحد لم يجب عليه أحد: أي وقف نار نتحدث عنه؟ شامل أم جزئي؟ دائم أم مؤقت؟

 

ما الذي جرى بالضبط؟ تسلسل “الفوضى المنظمة”

 

التصعيد: إسرائيل تلوّح بقصف الضاحية الجنوبية .

الردع الإقليمي: إيران تتدخل مباشرة وتهدد بضرب شمال إسرائيل إذا قصفت الضاحية. الرسالة واضحة: خط الضاحية الأحمر يجرّ المنطقة كلها.وتريد وقف إطلاق نار شامل وعلى كل الجبهات كما تقول .

الوساطة: الرئيس بري يحرّك قناته التقليدية – يوفد معاونه السياسي إلى قطر. الدوحة تدخل على الخط مع واشنطن. بري يبلّغ عبر مستشاره أنه “يضمن حزب الله” إذا أوقفت إسرائيل إطلاق النار.

الموافقة المشروطة: الرئيس عون يتواصل مع حزب الله. الحزب يوافق على وقف النار “في حال إسرائيل التزمت”. 

الإعلان الأميركي: ترامب يعلن أن الاتصال مع حزب الله عبر وسطاء كان “مثمراً”، ويزف البشرى: نتنياهو قبل بوقف النار. حتى السفيرة اللبنانية في واشنطن تبلّغ رسمياً بقبول إسرائيل.

التراجع الإسرائيلي: قبل أن يجف حبر الإعلان، يعود نتنياهو ليهدد من جديد.

 

هذا ليس مساراً لوقف إطلاق النار .هذا مسار “بالون اختبار” سياسي. كل طرف يرمي الكرة ليرى رد فعل الآخر.

 

جوهر الضبابية: وقف نار لأين؟ ولمَن؟

 

من كل الرواية، هناك 3 نقاط غامضة متعمدة:

 

أولاً: هل الوقف شامل أم جزئي ؟

الحديث كله دار حول “قصف الضاحية” و”ضرب شمال إسرائيل”. لا أحد ذكر القرى الحدودية. لا أحد ذكر الـتلال الخمس المحتلة. لا أحد ذكر الطيران المسير فوق بيروت. 

 

الخوف الحقيقي : أن يكون “وقف النار” المقصود هو وقف قصف الضاحية مقابل وقف صواريخ حزب الله. أي صفقة: هدوء لبيروت مقابل استمرار تدمير الجنوب. إذا صح هذا، فنحن أمام وقف نار “طبقي” بامتياز.

 

ثانياً: ما هو الثمن؟  

بري “يضمن حزب الله”. حزب الله يوافق “إذا إسرائيل التزمت”. التزام بماذا؟ بانسحاب؟ بوقف الطيران؟ بعودة النازحين؟ أم فقط بوقف قصف الضاحية؟ 

 

صيغة “إذا التزمت إسرائيل” مطاطة وخطرة. إسرائيل تلتزم ساعة وتخرق ساعتين، ثم تعود لتقول “رداً على استفزاز”. وهكذا نعود للمربع الأول.

 

ثالثاً: دور نتنياهو  

ترامب يعلن القبول، ونتنياهو يهدد. هذا ليس سوء تنسيق. هذا “تقسيم أدوار”. ترامب يريد صورة “صانع السلام” قبل أي استحقاق داخلي أميركي. نتنياهو يريد إبقاء ورقة التصعيد مفتوحة للضغط على الداخل الإسرائيلي وعلى حزب الله. 

 

السيناريوهات المتوقعة على ضوء الضبابية

 

بناء على المعطيات، هناك 3 مسارات فقط:

 

السيناريو الأول: وقف نار جزئي – “هدنة الضاحية”  

توقف الصواريخ على تل أبيب، وتتوقف الغارات على الضاحية. لكن العمليات الإسرائيلية في الجنوب تستمر: تدمير قرى، اغتيالات، مسيّرات. هذا أسوأ الاحتمالات. لأنه يعني تثبيت معادلة جديدة: أمن بيروت مقابل إبادة الجنوب. وإذا قبل بها لبنان، فنكون شرّعنا احتلالاً ناعماً.

 

السيناريو الثاني: وقف نار شامل ومؤقت  

توقف كل العمليات 48-72 ساعة لالتقاط الأنفاس. ثم يعود التصعيد إذا فشلت المفاوضات بواشنطن. هذا مجرد “مسكن” وليس علاجا .نتنياهو يستخدمه لكسر الحاضنة الشعبية لحزب الله: “شفتو؟ إنتو السبب بالحرب”.

 

السيناريو الثالث: انهيار الاتفاق فوراً  

نتنياهو لا يريد وقف نار حقيقي .يريده كـ”غطاء” لعملية أكبر. التهديد الجديد ليس عبثاً. إذا شعر أن حزب الله قبل بالجزئي، سيصعّد ليفرض شروطه. وإذا شعر أن إيران جدية بالرد، سيتراجع مؤقتاً.

 

الخلاصة: لبنان رهينة “صفقة الطبقات”

 

ما يجري عملياً هو محاولة لعزل “جبهة الضاحية” عن “جبهة الجنوب”. إسرائيل تريد أمن مستوطناتها وأمن تل أبيب، ولا يهمها الجنوب ولكنها تعاني من أزمة داخليه ومن عدم قدرتها على الثبات في المواقع التي تحتلها وتتعرض لخسائر بشريه في جيشها والياتها العسكريه وفي مستوطناتها .حزب الله لا يريد حرباً شاملة تدمر بيئته، لكنه لا يستطيع التخلي عن الجنوب. ولن يقبل ألا بانسحابها من الجنوب .

 

والخطر الأكبر أن الوسطاء – قطر وواشنطن – يتعاملون مع لبنان كملفين منفصلين: ملف “ردع إيران” وملف “أمن إسرائيل”. ولا أحد يتعامل مع ملف “سيادة لبنان”.

 

إذا كان وقف النار مشروطاً بوقف هجمات حزب الله على إسرائيل، فأين حق لبنان بالدفاع عن قراه المحتلة؟ وإذا استمر قصف الجنوب، فعن أي “وقف نار” نتحدث؟

 

نحن لسنا أمام وقف نار. نحن أمام “إعادة ترتيب ساحة القتال”. الضاحية تُشترى، والجنوب يُباع.

 

والسؤال الذي يجب أن يسأله كل لبناني قبل  الموافقه على أي شيء: هل قبلتم بهدنة للضاحية، أم بسيادة لكل لبنان؟

 

لأن التاريخ لن يرحم من يبيع الجنوب بثمن هدوء مؤقت.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى