رأي

المقاومة من حرب العصابات إلى معادلة الصمود الاستراتيجي؟ (أسامة مشيمش)

 

 

بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز

 

عند قراءة المسار التاريخي لتطور قوة المقاومة في لبنان منذ تحرير الجنوب عام 2000، مروراً بحرب تموز 2006، وصولاً إلى انخراطها العميق والمؤثر في الأزمة السورية، يتضح أننا أمام تجربة عسكرية وسياسية استثنائية شهدت تحولات جذرية على مستوى البنية والوظيفة والدور.

 

فبعد إنجاز التحرير عام 2000، كرّست المقاومة نفسها كقوة ردع فاعلة في مواجهة إسرائيل، ثم جاءت حرب تموز 2006 لتؤكد قدرتها على خوض مواجهة واسعة مع أحد أكثر الجيوش تطوراً في المنطقة. إلا أن التحول الأكبر بدأ مع اندلاع الأزمة السورية، حين انتقلت المقاومة من نطاق المواجهة الدفاعية المحدودة إلى الانخراط في ساحات قتال واسعة ومعقدة، ما جعلها لاعباً أساسياً في تثبيت النظام السوري طوال أكثر من اثني عشر عاماً، ومكوّناً رئيسياً في ما يُعرف بمحور المقاومة والممانعة.

 

غير أن هذا التحول الاستراتيجي فرض على المقاومة تحديات بنيوية وعسكرية غير مسبوقة. فقد نشأت وتطورت أساساً ضمن عقيدة حرب العصابات، وهي العقيدة التي أثبتت فعاليتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي خلال سنوات طويلة. لكن المشاركة في الحرب السورية فرضت عليها أن تتبنى، بدرجات متفاوتة، أساليب عمل الجيوش النظامية، من حيث الانتشار الواسع، وإدارة الجبهات المفتوحة، والسيطرة على الأراضي، واستخدام تشكيلات قتالية أكثر تعقيداً.

 

هنا تحديداً ظهر التحدي الأكبر. فالمقاومة وجدت نفسها في حالة هجينة بين ثقافتين عسكريتين مختلفتين: ثقافة حرب العصابات التي راكمت فيها خبرات عميقة ونجاحات كبيرة، وثقافة الجيوش النظامية التي دخلتها حديثاً ولم تمتلك فيها الإرث التاريخي أو التراكم المعرفي الذي تمتلكه الجيوش التقليدية. وقد انعكس هذا الواقع على بنيتها العسكرية وعلى طبيعة المواجهات التي خاضتها لاحقاً.

 

في المقابل، لا يمكن فهم طبيعة الصراع من دون التوقف عند حجم القدرات التي يمتلكها الطرف المقابل، أي إسرائيل. فالأخيرة ليست مجرد دولة تمتلك جيشاً متطوراً، بل هي جزء من منظومة استراتيجية وعسكرية واستخباراتية واسعة ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، وتستفيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة من التطور التكنولوجي والخبرات والمعلومات التي توفرها الدول الحليفة لها.

 

وعليه، فإن أي مواجهة تخوضها المقاومة لا يمكن اختزالها بصراع ثنائي بين طرفين متكافئين، بل هي مواجهة مع منظومة دولية واسعة تمتلك إمكانات هائلة في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاتصالات والتكنولوجيا العسكرية. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة تقييم معايير النصر والهزيمة بعيداً عن المقاييس التقليدية.

 

إن الثبات في مواجهة هذا الحجم من الضغوط العسكرية والسياسية والأمنية، والحفاظ على القدرة التنظيمية والقتالية، والاستمرار في تحويل التهديدات إلى فرص لإعادة التموضع والتكيف، كلها عوامل تجعل من الصمود نفسه إنجازاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.

 

وعليه، فإن القراءة الموضوعية لمسار المقاومة خلال العقود الماضية تقود إلى استنتاج أساسي مفاده أن مجرد استمرارها وقدرتها على التكيّف مع التحولات الكبرى، رغم اختلال موازين القوى الهائل، يشكل بحد ذاته إنجازاً استراتيجياً. فالتجارب العسكرية عبر التاريخ تثبت أن البقاء والثبات في مواجهة قوى تفوقك عدداً وعدة وإمكانات قد يكون أحياناً شكلاً من أشكال الانتصار، وربما أحد أهمّ أشكاله.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى