
كتب خضر ضيا – الحوارنيوز
في بلادنا،
كلُّ ريحٍ تحملُ سكينًا إلى ظهرِ الغيمة،
وكلُّ نافذةٍ تُفتحُ على النار
يخرجُ منها من يُطفئُ الحقيقةَ بالرماد.
ليس الاختلافُ خطيئةً،
فالآراءُ خُلقتْ كي تتقاطعَ
كأنهارٍ تبحثُ عن بحرٍ أوسع،
وما من وطنٍ ينجو
إذا صارَ أبناؤه نسخةً واحدةً من الصوتِ ذاته.
لكنَّ الخلافَ حينَ يفقدُ عقلَه،
ويستبدلُ المنطقَ بثأرٍ قديم،
يُصبحُ مرآةً مكسورةً
لا ترى في الضَّوءِ إلا ما يؤذي عتمتَها.
حينها،
لا يُوزَنُ الموقفُ بميزانِ الحقيقة،
بل بمقدارِ الحقدِ المُسبق عليه.
فبعضُ القلوبِ
اتخذتْ قرارَها قبلَ أن تسمع،
وأغلقتْ نوافذَها قبلَ أن يمرَّ النهار.
في بلادنا،
كثيرونَ لا يناقشون الفكرة،
بل يطعنون ظلَّها،
ولا يبحثون عن الصواب،
بل عن هزيمةِ مَن يحملُه.
*****
-حينَ ارتفعتْ غزَّةُ كقنديلٍ في عتمةِ البحر،
قالوا:
لماذا يحملُ الجنوبُ قلبَهُ إلى الحريق؟
وحينَ تُركتْ وحدها
صرخوا:
أين الذين وعدوا الزيتونَ ألَّا يموت؟
-إذا مشتِ المقاومةُ على حدِّ السَّيف
قالوا: إنها تُوقظُ العاصفة.
وإذا خفَّفتْ وقعَ خطاها
قالوا: لقد شاختْ خيولُها.
-إنْ فتحتْ نافذةً صغيرةً للحرب
سخروا من الثقوبِ في الجدار،
وإنْ هزَّتِ الأبوابَ بعنف
اتهموها بأنَّها تُغرقُ البيتَ بأهلِه.
-خمسةَ عشرَ شهرًا
والسماءُ تمطرُ نارًا،
فقالوا: انتهى الصوتُ الذي كان يملأُ الوادي.
وحينَ عادَ الصدى
قالوا: لماذا يُزعجُ الصمتَ القديم؟
-إذا اقترب داعمٌ صديقٌ من حدودِ الدم
قالوا: هذا ظلٌّ غريبٌ على البلاد،
وإذا وقف بعيدًا
قالوا: تخلَّتِ الريحُ عن سنابلِها.
-سلَّموا الأرضَ العاريةَ جنوبَ النَّهر،
فقالوا: ذابَ الحديدُ من الأيدي.
ثمَّ حينَ دخلَ العدوُّ إلى البيوتِ الخالية
ضحكوا فوقَ الركام،
كأنَّ الخرابَ انتصارٌ،
وكأنَّ الأمَّهاتِ وُجدنَ للبكاء فقط.
-إذا تقدَّمَ الغازي
ارتفعتْ في بعضِ الأزقَّةِ زغاريدُ الهزيمة،
وإذا تراجعَ تحتَ المطرِ الأسود
قالوا: لم يحدثْ شيء.
-حينَ حلَّقَ الهدهدُ بصورةِ المدن
قالوا: نريدُ نارًا لا مرايا.
وحينَ جاءتِ النَّارُ بالصوتِ والصورة
قالوا: هذا وهمُ الذكاء الاصطناعيِّ.
-إذا عبرتِ المسيَّراتُ سماءهم
ابتسموا بسخريةِ العاجز،
واذا سقطَ الجنودُ في عدسةِ الموت
نبشوا من الذَّاكرةِ حكاياتٍ قديمةً
ليُطفئوا بها المشهد.
-العدوُّ يقصفُ،
يغتالُ،
ويزرعُ أسماءَ الموتى على الجدران،
فلا يرتجفُ لهم جفن.
لكنَّ رصاصةً واحدةً في الاتجاهِ المعاكس
تكفي ليقيموا محكمةً للرِّيح.
*****
هم لا يُكذِّبون الصورةَ فقط،
بل يُكذِّبون عيونَهم أيضًا.
يقتطعون من الكلامِ ما يكفي
لصناعةِ فتنةٍ بحجمِ وطن.
حتَّى لو أُلقيَ السلاحُ في البحر،
وظلَّ الاحتلالُ جالسًا على صدرِ التُّراب،
سيجدونَ ذريعةً أخرى
ليقولوا: المشكلةُ في الحلم،
لا في السكِّين.
إنَّه العمى حينَ يرتدي ثوبَ الحكمة،
والحقدُ حينَ يتكلَّمُ باسمِ المنطق.
فمنذُ أنْ تركَ الخوارجُ غبارَهم على وجهِ التاريخ،
والأصواتُ نفسُها
تعيدُ نشيدَها القديم.
لذلك،
كانَ الحوارُ مع الصخرِ
ألينَ من إقناعِ قلبٍ
اتخذَ من الكراهيةِ عقيدةً.



