البعوضة والعملاق: شهادة من جنوب لا يركع(إبراهيم عميس)

د. ابراهيم علي عميس – الحوارنيوز

يقولون إن الإيمان هو التصديق بما لا تراه العين ولا يقوم عليه برهان مادي مباشر. وقد أمضت البشرية قروناً تناقش هذه الفكرة بين الفلسفة واللاهوت والشك واليقين. لكن الإنسان يمر أحياناً بلحظات يشعر فيها أن الواقع نفسه بدأ يشرح له النصوص القديمة دون حاجة إلى تفسير طويل. وأنا، كغيري ممن تابعوا ما جرى في الجنوب، لم أستطع أن أتجاهل ذلك التشابه المذهل بين ما تقوله القوة الحديدية اليوم وما تحدث عنه القرآن منذ أربعة عشر قرناً. لم يكن الأمر بالنسبة إليّ مجرد إسقاط ديني على حدث سياسي، بل شعور عميق بأن ما ورد في كتاب الله لم يكن وصفاً لزمن مضى فقط، بل حديث عن قوانين تتكرر كلما تشابهت النفوس والصراعات وموازين القوة. فكيف يكون وقع الإيمان حين لا يأتي مجرد فكرة غيبية، بل حين يسير أمامك في صورة مشهد حي يكاد يتحول إلى برهان مادي تراه العين؟
كأنّ المشهد في الجنوب أشبه بما تتصوره النفوس عن يوم القيامة. وليس في ذلك مبالغة بقدر ما هو وصف لحقيقة عاشها أهل الأرض هناك: سماء تمطر ناراً وحديداً، وأرض تبتلع بيوتاً كانت قبل لحظات تحتفظ بذكريات. القرى الجنوبية، بأسمائها القديمة وبيوتها الحجرية وذاكرة أهلها الثقيلة بالتاريخ، كانت تواجه واحدة من أعنف لحظات وجودها الحديث. الناس يرحلون شمالاً تحت وطأة الخوف والدمار، فيما كانت كل الحسابات المادية تقول إن المعركة حُسمت قبل أن تنتهي. فالآلة العسكرية الهائلة، بما تملكه من نار وتقنيات وقدرة تدميرية ضخمة، كانت تبدو كأنها تقول بلسان قنابلها: لا شيء يستطيع الوقوف في وجهي، ولا معادلة يمكنها أن تغيّر هذه النتيجة.
لكن التاريخ كثيراً ما يفاجئ الذين يظنون أن القوة تُقاس بالحجم وحده.
وسط هذا المشهد ظهرت ما أسميه “البعوضة التكنولوجية او الذكية”. لم تكن أهميتها في حجمها الصغير، بل في الفلسفة التي تمثلها. فالبعوضة في الطبيعة ليست كائناً ضعيفاً كما يبدو لأول وهلة، بل نموذج مذه لكيفية انتصار الكائن الصغير عبر الدقة والمرونة وفهم نقطة الضعف. إنها لا تواجه خصمها بالقوة المباشرة، ولا تحتاج إلى جسد ضخم كي تُربك ما هو أكبر منها آلاف المرات. تطير منخفضة، متفلتة من الرصد، سريعة الحركة إلى درجة تجعل الإمساك بها مرهقاً رغم ضآلتها. والأعجب أنها لا تعتمد على النظر فقط، بل تستشعر حرارة الجسد وثاني أوكسيد الكربون وحركة الهواء، فتصل إلى هدفها حتى في العتمة الكاملة، وكأن الظلام يتحول إلى غطاء يحمي اقترابها بدل أن يمنعها. ثم إنها لا تضرب عشوائياً؛ فهي تنجذب بفطرتها إلى الموضع الأضعف، فتُحدث بأقل جهد أثراً يفوق حجمها بأضعاف.
ولهذا تبدو الآية القرآنية ذات وقع مختلف حين تُقرأ اليوم:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
فكأن البعوضة لم تكن مثالاً على الضعف، بل على قانون كامل يناقض غرور القوة التقليدية. ولهذا أيضاً بدا التشابه بينها وبين “البعوضة الذكية” الحديثة أمراً يكاد يكون صادماً. فهذه الوسائل الصغيرة لا تدخل الحرب بمنطق الطائرات الثقيلة أو الجيوش الكلاسيكية، بل بمنطق البعوضة نفسها: صغيرة، مرنة، منخفضة الارتفاع، صعبة الرصد، قادرة على المناورة والاقتراب من الهدف من زوايا غير متوقعة. وكما تستشعر البعوضة حرارة الجسد في الليل، أصبحت هذه الأدوات تعتمد على الرصد الحراري والكاميرات الدقيقة، فتتحول حرارة المحركات أو حركة الآليات إلى إشارات تكشف الهدف حتى في أحلك الظروف. ثم تأتي المفارقة الأكثر قسوة: أداة صغيرة زهيدة الكلفة تستطيع أن تُربك منظومات دفاعية تُنفق عليها الملايين، فينقلب ميزان الاستنزاف، ويصبح العملاق مضطراً إلى إنفاق جهد هائل لملاحقة شيء صغير يكاد لا يُرى.
ومن هنا أيضاً تتضح الفكرة التي تتكرر في قصة داود وجالوت. فجالوت لم يكن مجرد رجل قوي، بل كان صورة مكتملة للقوة المطلقة: الدرع الأثقل، والسلاح الأكبر، والهيبة التي تُسقط النفوس قبل أن تبدأ المعركة. لكن داوود أدرك حقيقة يغفل عنها كثيرون حين ينبهرون بمشهد القوة الهائلة: لا توجد قوة بلا نقطة ضعف. فكل عملاق، مهما بدا متماسكاً، لا بد أن يملك جبهة رخوة لا تستطيع كثافة الحديد أن تحميها بالكامل. ولذلك لم يحاول داوود أن يواجه جالوت بمنطقه، ولم يسعَ إلى أن يصبح نسخة أصغر منه، بل بحث عن الثغرة الوحيدة التي يمكن أن تسقط هذا البناء الضخم كله. وحين وجدها، لم يحتج إلى جيش كامل، بل إلى ضربة دقيقة في اللحظة الصحيحة. ولهذا لم تكن الحجرة مجرد حجر، بل كانت انتصار الفهم على الكتلة، والدقة على الضخامة، والعقل على وهم القوة المطلقة.
والفكرة ذاتها تتكرر في قوله تعالى:
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
فالقضية هنا ليست تمجيداً للضعف، ولا إنكاراً لفارق القوة، بل تذكير بأن الصراع لا تحسمه الأرقام وحدها. فالفئة القليلة قد لا تملك وفرة السلاح ولا ضخامة الإمكانات، لكنها تملك أحياناً ما هو أخطر: الصمود، الصبر الطويل، والقدرة على الاحتمال، والاستعداد للاستنزاف، وفهماً أعمق لطبيعة المعركة. وحين يتحول الزمن نفسه إلى سلاح، تبدأ الكثرة باكتشاف أن تفوقها المادي لا يكفي وحده لحسم كل شيء. ولعل هذا ما جعل أهل الجنوب، رغم الخسارات والدمار وثقل التضحيات، يتمسكون بأرضهم وقراهم بصورة بدت لكثيرين عصية على الفهم بمنطق الحسابات الباردة وحدها.
ولعلّ ما نشهده اليوم من ازديادٍ في القتل والهدم والعنف لا يجب ان يُقرأ بوصفه علامة قوة كما يبدو في ظاهره، بل هو صورة معاكسة تماماً: صورة كائنٍ ضخم ينزف ويحاول أن يُخفي نزفه بالضجيج. فالكائن الجريح كثيراً ما يزداد شراسة كلما شعر أن السيطرة بدأت تتفلّت من يده، تماماً كمن يرقص من شدّة الوجع لا من فرط الطمأنينة. ولهذا فإن تصاعد التدمير لا يعني بالضرورة رسوخ القوة، بل دليلاً على خوفٍ عميق من عجز القوة نفسها عن فرض الحسم الذي كانت تظنه مضموناً.
وهكذا تتجمع الصور الثلاث لتصنع قانوناً واحداً يكاد يتكرر في الطبيعة والتاريخ والحروب معاً. البعوضة الصغيرة التي تُربك جسداً هائلاً لأنها تعرف كيف تقترب من موضع الضعف. وداوود الذي يهزم جالوت لأنه فهم أن العملاق، مهما عظم، ليس محصناً بالكامل. والفئة القليلة التي تصمد أمام كثرة جبارة لأنها تملك قدرة أعلى على الثبات والتحمل حين ينهار غيرها تحت ضغط الاستنزاف والخوف.
قد يراها البعض مجرد تشابهات متفرقة، لكن التأمل فيها يكشف أنها تدور حول فكرة واحدة: أن الحسم لا تصنعه الضخامة وحدها، ولا الأرقام وحدها، ولا الضجيج العسكري وحده. فكم من قوة بدت عصية على الكسر ثم أسقطتها ضربة دقيقة، أو استنزاف طويل، أو إرادة رفضت الانهيار. وكأن هذه الأمثلة جميعها تعيد تذكير الإنسان بحقيقة قديمة تتكرر بأشكال مختلفة: أن الحسم لا يكون دائماً لمن يملك القوة الأعظم، بل لمن يفهم أين يضرب، وكيف يصبر، ومتى يستنزف.
فالجنوب لا يستحي ان يكون تجسيدا لآيات الله: فئة قليلة تحمل في يدها حجرة داود وجناح البعوضة معاً.



