رأي

الجنوب اللبناني بين مطرقة التدمير وسندان المفاوضات(أكرم بزي)

 

كتب: أكرم بزي – الحوارنيوز

ما بين وقف لإطلاق نار وآخر وهدنة وأخرى يدمر الجنوب اللبناني على مرأى أعيننا ولا من يحاسب أو يوقف هذا الإجرام الأميركي الصهيوني المتمادي، وكأن ما يجري خارجيا أو داخليا من تسويف وإطالة لأمد المفاوضات هو للإجهاز على ما تبقى من الجنوب من بنى تحتية وعمران لجعل الأرض محروقة بالكامل، إن التجارب التي قرأنا عنها وعايناها وعشناها هي دليل واضح على أن ما تقوم به إسرائيل وأميركا في لبنان بالتحديد هو تنفيذ لما كنا نقرأه في الإعلام العبري والكتب العبرية عن تجهيز الأرضية لسياسة القضم والهضم والتقدم.
لقد انتقل المشروع الصهيوني اليوم من مرحلة القضم التدريجي إلى مرحلة الحسم الكلي، حيث لم يعد الحديث يدور حول إجراءات ميدانية معزولة بل تحول الأمر لضم شامل لكامل الضفة الغربية بعد تصويت الكنيست، وهو ما يمثل الإخراج القانوني والسياسي لسياسة الهضم والتقدم التي كانت تجري تحت الرماد، إن هذا التحول التشريعي يعكس رغبة واضحة في إنهاء أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني، من خلال تحويل الوجود العسكري المؤقت إلى سيادة قانونية دائمة تفرضها سلطات الاحتلال على الأرض، مما يعني عمليا إلغاء الخط الأخضر ودمج المستوطنات وبنيتها التحتية بجسم الكيان بشكل كامل، إن هذا المسار هو ذاته الذي يطبق في الجنوب اللبناني عبر استراتيجية الأرض المحروقة التي تهدف لفرض واقع جغرافي جديد لا يعترف بالحدود أو القوانين الدولية، وما كان يقرأ في الكتب العبرية كخطط استراتيجية أصبح اليوم واقعا مصدقا عليه في البرلمان، حيث يتم استغلال الصمت الدولي والتواطؤ الأميركي لتمرير أكبر عملية سطو جغرافي في التاريخ الحديث، لتصبح الضفة الغربية والجنوب اللبناني أمام مواجهة واحدة مع عقلية لا تؤمن إلا بالتوسع والإبادة المكانية، وهو ما يضع المنطقة برمتها أمام منعطف تاريخي حاسم يهدد بتغيير وجه الخارطة السياسية والجغرافية للأبد.
تتزامن هذه الإبادة المكانية مع ما تروج له القنوات والصحافة العبرية في نيسان ٢٠٢٦ حول احتمال التعاون مع السلطة اللبنانية، حيث بثت القناة ١٢ العبرية تقارير عن قنوات اتصال خلفية تهدف لفرض ترتيبات أمنية تضمن عدم عودة المقاومة إلى المناطق الممسوحة جغرافيا، بينما نقلت صحيفة يسرائيل هيوم عن نتنياهو توجيهاته بفتح اتصالات مباشرة للوصول إلى ما سماه سلاما حقيقيا يشترط نزع السلاح، وفي المقابل حذرت صحيفة هآرتس من أن هذا التعاون هو فخ لشرعنة احتلال مقنع يخدم دعوات اليمين المتطرف لضم الأراضي وصولا لليطاني، مما يظهر أن الهدف من المفاوضات ليس السلام بل انتزاع تنازلات سيادية تعجز الآلة العسكرية عن انتزاعها بالكامل.
وأمام هذا الواقع الفج بوقاحته وصراحته تتسابق السلطة اللبنانية مهرولة للتفاوض مع الكيان العبري ضاربة بعرض الحائط كل إنجازات الماضي ودماء الشهداء والأرواح والجرحى والدمار الهائل، والأسوأ من هذا كله هو بلوغ المشهد ذروة السريالية السياسية عندما يصبح ترامب ونتنياهو، مصاصو دماء أطفالنا وقتلة شهدائنا، أصدقاء مفترضين للسلطة في لبنان بينما تُعامل المقاومة كعدو لها، إن هذا الانقلاب في المفاهيم والرهان الرسمي على “صداقة” الجلادين يمنح الاحتلال فرصة تاريخية لتحويل مكاسبه العسكرية لضمانات سياسية وأمنية دائمة، مما يفرغ التضحيات الجسيمة من مضمونها ويجعل من دماء الناس مجرد وقود لتفاهمات تخدم جوهر استراتيجية القضم والهضم الصهيونية، ليصبح التفاوض في هذه اللحظة الحرجة ليس وسيلة لوقف النزيف بل أداة لتثبيت الهزيمة الجغرافية والسياسية وطي صفحة الصمود تحت وطأة الضغوط الدولية والتواطؤ الداخلي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى