سياسةمحليات لبنانية

عهد بنت جبيل ومضيق هرمز يفرضان وقائع البيت الأبيض (أكرم بزي)

 

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

لم يكن وقف إطلاق النار الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ١٦ نيسان ٢٠٢٦ مجرد تهدئة تقنية، بل جاء إعلانا صريحا عن نضوج صفقة كبرى أُبرمت في كواليس المفاوضات الإيرانية الأمريكية، وفرضت وقائعها بقوة الأمر الواقع على كل من لبنان وإسرائيل، إذ تعامل ترامب بصرامة استثنائية مع حكومة بنيامين نتنياهو، مؤكدا أن زمن القصف المفتوح قد انتهى، مما وضع القيادة الإسرائيلية أمام خيار الانصياع لإرادة واشنطن التي تبحث عن مخرج دبلوماسي ينهي استنزاف حروب المنطقة ويربط استقرار الجبهات بأمن الممرات المائية الحيوية.

هذا التحول الجذري لم يكن ليتحقق لولا الصمود الأسطوري الذي سطرته المقاومة اللبنانية في الميدان، وتحديدا في مدينة بنت جبيل التي استعصت على الانكسار وظلت حصنا منيعا، حيث فشل العدو الصهيوني فشلا ذريعا في الوصول إلى نهر الليطاني، وتلقى جنود النخبة في جيش الاحتلال مجازر عسكرية حقيقية في المواجهات المباشرة، مما كسر هيبة المؤسسة العسكرية وأجبرها على التراجع خلف جدار العجز. وبالتوازي مع هذا الثبات الميداني، شكل الصمود الإيراني والقدرة على الربط الاستراتيجي بين أمن جنوب لبنان وحرية الملاحة في مضيق هرمز حجر الزاوية في صياغة المشهد الراهن، إذ أدركت واشنطن أن أي انفجار واسع سيؤدي حتما إلى إغلاق شريان الطاقة العالمي، مما جعل “النقاط العشر” (التي تضمنت وفقا لمصادر متابعة في ١٠ نيسان ٢٠٢٦ رفع العقوبات وتبريد الجبهات) أساسا لا مفر منه للحل، خاصة مع دخول المملكة العربية السعودية على خط الاتصالات المكثفة مع طهران لضمان استقرار إقليمي شامل.

وفي ظل هذا المناخ، وأمام الدعوة المرتقبة للقاء واشنطن، يبرز استحقاق وطني مفصلي أمام الرئيس اللبناني جوزيف عون، فقبل التوجه إلى البيت الأبيض، بات لزاما عليه التوجه إلى حارة حريك وعين التينة للوقوف على الحقائق والتفاصيل وضمان صياغة تفاهم وطني صلب. فالرئيس نبيه بري والشيخ نعيم قاسم منفتحان على أي حوار يؤدي إلى حلحلة الوضع لا تأزيمه، وأي خطوة ناقصة مدفوعة بأوهام نخبوية يمينية انعزالية قد تؤدي إلى انزلاقات لا تُحمد عقباها وتكون مميتة للعهد وللاستقرار، إذ أن إيران ستفرض شروطها في الانسحاب الإسرائيلي الشامل ليُسوق أمريكيا كإنجاز سيادي لبناني وقعه الميدان في بنت جبيل وحماه التوازن في هرمز، وهنا تبرز الاتصالات الجارية الآن بين السعودية وعواصم القرار، وبالتنسيق مع الرؤساء عون وبري، كتمهيد جدي قد يفضي إلى تغيير الحكومة اللبنانية والاتيان بفريق وزاري جديد، مقبول وغير استفزازي لأي طرف، لمواكبة التطورات القادمة حتما، مع بروز مقترح فرنسي لفتح قنوات تواصل بين السفير الأمريكي ميشال عيسى وحزب الله، بهدف التوصل لعملية احتواء السلاح وتنظيمه مع الدولة وتسليم الجيش اللبناني مسؤولية الأمن بالكامل، بعدما عجزت إسرائيل عن كسر قوة المقاومة أو تدمير بنيتها.

وهنا الجدير بالقول ان بنيامين نتتباهو وامام الصفعات المتتالية قد يلجأ الى تفجير الوضع الامني على الجبهة اللبنانية والجبهة الإيرانية، خاصة اذا ما وجد نفسه في مأزق قد يكون الاخطر لمستقبله السياسي واليمين الحاكم في الكيان العبري وتعود الامور نحو التصعيد العسكري، ولكن هذه المرة قد نشهد ايامه الاخيرة في العمل السياسي، لا سيما وان الصحافة العبرية الصادرة اليوم السبت ١٨ نيسان ٢٠٢٦ عكست هذا التخبط، حيث كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن موافقة نتنياهو على الهدنة تمت دون تصويت «الكابينت»، فيما وصفت «جيروزاليم بوست» غضب اليمين من إعلان ترامب للوقف الفوري للنار، ونقلت «معاريف» عن الجنرال يسرائيل زيف تحذيراته من استنزاف الجيش الذي تحول جنوده إلى «جثث متحركة»، ما يثبت أن عهد “النصر المطلق” المزعوم قد سقط أمام واقعية الصفقات التي تُصاغ في الغرف المغلقة وتُبارك في عواصم المنطقة، بانتظار الخروج النهائي الذي فرضته بنادق المقاومة وثبات الحلفاء.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى