رأي

فخامة الرئيس جوزف عون: الآن وقت زيارة طهران !(سعد محيو)

 

الحوارنيوز- رأي

 

كتب الزميل سعد محيو في موقع منتدى التكامل:

نعرف ان ردة الفعل السريعة على هذه الدعوة، ستكون الاستغراب في أحسن الأحوال او تقطيب الحاجب في أسوئها. 

المستغربون سيتساءلون عما اذا كانت هذه الفكرة  مجرد خيال مجنّح، فيما المقطبون قد يلجأؤن إلى لغة التخوين الرائجة على كل الألسن هذه الأيام.

بيد أننا نزعم ليس فقط ان هذا اقتراح واقعي وحسب،  بل هو يلامس ايضا  لحظة تاريخية قد تكون نادرة او ربما حاسمة.

لماذا هذا الاقتراح؟

للأسباب الآتية:

أولا، تنظيم حزب الله الموجود الان،  لم يعد نفسه  قط التنظيم الذي كان قبل العام ٢٠٢٣.

قبل ذلك العام، كان الحزب ليس، كما كان يُعتقد، مجرد برغي او جزء من محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل كان “هيئة أركان”  هذا المحور في كل المنطقة العربية. لم يكن  السيد حسن نصر الله رئيسا لحزب لبناني، بل كان صاحب رأي مقرر في الإقليم، بتفويض كامل من ولي الفقيه مباشرة ومن قيادة الحرس الثوري.

وللتذكير،   لم يكن ذلك أمراً غريباً في التاريخ الإيراني،  وهو ما اكتشفه هنري كيسينجر   في كتابه world order)  )، حين لاحظ ان الإمبراطورية الفارسية العالمية تميّزت عن باقي الامبرطوريات بأنها كانت تمنح وكلاءها في الأقاليم التي تسيطر عليها صلاحيات واسعة في شؤونهم الداخلية والاقليمية، طالما ان ذلك لا يتناقض مع المصلحة العليا للمركز الإمبراطوري. وكان ذلك يشمل حتى المشاركة في اتخاذ القرار. 

حزب الله اللبناني كان هيئة أركان هذه في المنطقة العربية. فهو بعد نجاحه في تحرير جنوب لبنان ( ١٩٩٠-٢٠٠٠)  طفق يدير النفوذ الإيراني في كل المشرق: فانخرط  بكثافة في الحرب الأهلية السورية دفاعاً عن نظام الرئيس الأسد(“العلماني”) الحليف لطهران، ثم في العراق، ثم اليمن،  وبالطبع في فلسطين. 

وفي الوقت نفسه، كان البناء العسكري لحزب الله الذي بدأ يتضخم تكنولوجياً وتنظيما عسكريين منذ العام ٢٠٠٠،  أضحى هدفه الرئيس في الدرجة الأولى خلق ردع وتوازن قوى بين إيران وإسرائيل، أضافة الى التوازن بين لبنان وإسرائيل.

هذا الدور الاقليمي الضخم،  تراجع على نحو كاسح بعد التطورات الدراماتيكية في سورية( أساسا) التي قطعت  تواصل السلسلة الاستراتيجية الايرانية من طهران وبغداد ودمشق الى بيروت؛ ثم بعد حرب 2023 التي تلقى فيها حزب الله ضربة عنيفة، ومعها تعثرت قدرة محور المقاومة على إنقاذ غزة.

ثانيا: لكن انتهاء الدور الاقليمي تقريبا لحزب الله، لا يعني أن ايران ستتخلى بسهولة عن دور الحزب في لبنان ، ليس هذه المرة كقوة ردع ضد اسرائيل لحماية طهران، بل كمنطلق لهذه الأخيرة في الترتيبات الإقليمية المحتملة في شرق المتوسط، وبالتالي في النظام الاقليمي الشرق اوسطي العام.

وهنا، يخطيء معالي وزير الخارجية يوسف رجي اذا ما بنى الدبلوماسية اللبنانية على الفرضية بأن موازين القوى الجديدة ستسمح بأجتثاث النفوذ الايراني من جذوره في لبنان، او بأن النظام الايراني سيتخلى بسهولة عن ” الورقة اللبنانية” في خضم الصراع الجيو- استراتيجي التاريخي الضخم الذي يجري الان على قدم وساق في الشرق الأوسط برمته.

وهذا امر مؤكد، حتى في ظل الخلل الفادح الراهن في موازين القوى في لبنان لغير صالح حزب الله، حيث تصطف ضده الان قوى عدة، من اميركا وإسرائيل الى سوريا الجديدة ودول الخليج ومعظم الدول الاوروبية، ناهيك عن قطاعات واسعة من المجتمع  اللبناني السياسي كما المدني.

إيران ستتمسك بالورقة اللبنانية،  حتى ولو على حساب اثمان باهظة قد تدفعها الطائفة الشيعية( كما حدث في حرب إسناد إيران الحالية)  ،او حتى لو اضطر الامر لاشعال الاضطرابات او اطلاق حالة لا استقرار حادة.

ثالثا : إذا ما اتفقنا على مقدمات  هذه المعطيات، سيكون من حسن التدبّر والحصافة من جانب السلطة اللبنانية ان تبادر، هنا والآن، الى فتح حوار مباشر مع طهران،  تعترف بموجبه بدورها في لبنان ( والمنطقة ) وتتوصّل معها الى وفاق يتم بموجبه حل مسألة سلاح حزب الله سياسيا بما يخدم  في آن كلاً من سيادة الدولة الوطنية اللبنانية والوجود الاقليمي الايراني، أسوة بالوجود الاقليمي السعودي والمصري والتركي.. الخ. وهذا بالمناسبة يساعد لبنان على وضع سدود في وجه محاولات الابتلاع والاستفراد التي لم تتوقف اسرائيل عن القيام بها.

أخيرا، لم  نكن لنقدم على طرح هذه المقاربة لولا إدراكنا بان السلطة الإيرانية( اي سلطة أيرانية في الواقع تاريخاً وحاضراً ) هي من بين أكثر السلطات براغماتية وحصافة  واستعدادا للرقص على إيقاع موازين القوى الواقعية في العالم، مهما كانت النخبة الحاكمة فيها ثورية اومتطرفة إديولوجيا او جامحة سياسيا.  وهذا ما كان يسمى في التاريخ ” الدهاء الفارسي”، ثم ما بات يسمى ” الدهاء والباطنية” بعد ان تحوّلت ايران الى المذهب الشيعي في القرن السادس عشر.

فخامة الرئيس

التوقيت، كما تعلم هو العنصر الحاسم في التاريخ. ومن يلتقط اللحظة الحاسمة والمقررة في هذا التاريخ( وهنا والان) يكون قادرا على تجاوز الانواء والاعاصير، ودفع سفينة الوطن الى بر الأمان.

ونحن نعتقد ان هناك الان لحظة تاريخية من هذا النوع الحاسم، وهي تشي لنا بأن علينا طرق أبواب طهران: هنا والآن.

أما بالنسبة إلى الحل النهائي لمأساة الوطن اللبناني التي تنفجر كل نحو عشر سنوات بفعل حروب الآخرين على أرضه، فلا يكمن لا في طهران ولا واشنطن ولا في اي عاصمة اقليمية او دولية، بل في إعلان ” الحياد الحضاري والايجابي”   او ” حياد- الرسالة”  اللبناني عن كل المراكز والمحاور. 

لا بل أكثر:  هذا الحياد هو ضمانة الوطن حتى ضد الخطر التوسعي الاسرائيلي  الدائم والداهم.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى