رأي

الحرب التي انتظرتها إيران ٤٦ سنة (أحمد حوماني)

 

 

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

لم يكن الشعار الذي أطلقه الإمام الخميني على أمريكا ( أمريكا الشيطآن الأكبر) مجرد توصيف ديني او سياسي. لقد أراد الإمام من خلاله توجيه البوصلة الإيرانية نحو العدو الحقيقي لإيران بشكل خاص وللمسلمين بشكل عام.

الشعار وإن كان يحمل في طياته بعدا دينيا، إلا أنه عبارة عن مشروع مواجهة مع أعتى قوة في العالم، ولم يخف  الإمام أن أمريكا تمثل رأس الشر في هذا العالم وأن المعركة الحقيقية معها، وأنه سيأتي اليوم الذي ستصبح فيه المواجهة بشكل مباشر  بينها وبين ايران. فأمريكا بعد انتصار الثورة وخروجها المذل من إيران حاولت في البداية استخدام الحل العسكري من خلال “عملية طبس” التي أرادت بها تحرير رهائنها وعملائها في السفارة الأمريكية في طهران، تلك العملية التي باءت بفشل ذريع أعطت الإدارات الأمريكية المتعاقبة درسا بأن الحل العسكري المباشر لن يجدي نفعا، لذا لجأت إلى سلاح العقوبات الإقتصادية منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.

 في المقابل جهدت الأولايات المتحدة لأن تخوض معاركها مع إيران بالوكالة، فكلفت صدام حسين القيام بهذه المهمة بتمويل عربي صريح من حكام الخليج في حرب استمرّت لثمان سنوات لم تحقق في النهاية الأهداف التي وضعت لها، ومع ذلك استمرّت الإدارات الأمريكية بسعيها إلى تغيير الحكم في إيران، سواء بدعم الحركات الإنفصالية أو بتشجيع قيام ثورات كما اسمتها في الداخل، ولعل أبرزها التظاهرات التي حدثت عام ٢٠٠٩ والتي للحظة ما شكلت خطرا حقيقيا على نظام الحكم في إيران.

وبقي هذا الأسلوب حاضرا في السياسة الأمريكية في محاولة للإطاحة بنظام الحكم في إيران، وشهدناه في التظاهرات التي حدثت تحت مسمى الحرية بعد مقتل مهيا أميني منذ سنوات. إيران التي كانت تراقب كل ذلك وتعرف أن مصدر كل تلك القلائل هو الإدارة الأمريكية، بقيت عاجزة عن المواجهة المباشرة مع أمريكا في تلك المعركة الناعمة، وهي تتحين الفرصة للإنقضاض على أمريكا في المنطقة، لكن من دون أن تبدأ حربا عسكرية معها، لكن شعارها أصبح واضحا ومحددا منذ اغتيال سليماني، والثمن هو خروج أمريكا من المنطقة، شعار أطلقه السيد الخامنئي وعمل على تنفيذه لسنوات بشكل مباشر وغير مباشر، إلى أن جاءت الفرصة على طبق من ذهب:بنيامين نتنياهو.

نتنياهو عن غير قصد قدم لإيران الذريعة والحجة التي انتظرتها لسنوات طويلة بجره ترامب إلى الحرب، وهي المواجهة العسكرية المباشرة مع أمريكا، ومهما قيل فقد استغلت إيران ذلك بشن هجوم على كل القواعد الأمريكية في منطقة الخليج، في السعودية وقطر والبحرين والإمارات والعراق، وأصابتها في العمق. وقد تكون فعليا قد أخرجتها من الخدمة بعد التدمير الذي لحق بها، وجعلت إيران جنود أمريكا في المنطقة يفرون إلى الفنادق والبيوت السكنية المدنية خوفا من ضرباتها المتتالية. 

يرى الكثير من المحللين أن الحرب ستنتهي بإتفاق على وقف إطلاق النار ، لكن الحقيقة أن إيران لن توقف هذه الحرب، وهي ستستمر في ملاحقة الأمريكين في المنطقة حتى لو حصلت هدنة لفترة ما. فايران قد تخطت حاجز الرهبة من المواجهة مع المباشرة مع أمريكا وإسرائيل، وهي لن تخلي الساحة ولن تعود إلى الحروب بالوكالة كما حدث في السنوات السابقة، بل ستضرب في كل مكان ترى فيه أن الوجود الأمريكي العسكري يشكل خطرا عليها، وقد أصبح لديها الحجة الدامغة أمام شعبها بأن أمريكا هي العدو الأول وهي الشيطآن الأكبر الذي يريد الشر بالأمة الإيرانية. وهي ستستغل هذا الالتفاف الشعبي حولها، ليس فقط لتأديب أمريكا كما كان يردد السيد الخامنئي، بل لتأديب دول الخليج عامة وكل من تسول له نفسه بالسوء تجاه شعب إيران وثورتها.

طيلة عشرات السنين كانت الدول الخليجية هي الممول لكل الاضطرابات في ايران وهي تستقبل مراكز التجسس عليها وعلى أراضيها لإتمام المؤامرات ضدها، لذا وجدت إيران الفرصة أيضا لإظهار قوتها وسطوتها تجاه هذه الدول، وإفهامها أنها من الآن وصاعدا ستدفع ثمن أي محاولة للعب بأمن إيران الداخلي، وكل ذلك رسالة أيضا إلى الدول المحيطة بها من كل الجهات، وخصوصا تركيا وأذربيجان، بأنها لن تكون بمنأى عن الضربات الإيرانية في حال ثبت تآمرها على إيران، والصاروخ الذي عبر الأجواء التركية يشهد على ذلك، وهو رسالة واضحة وإن نفت إيران ذلك، لكن الرسالة وصلت.

انتهى عهد الحروب بالوكالات، وما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها. إيران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداء عليها أو محاولة اللعب بأمنها، فهل سيكون هذا موقفها في حال الاعتداء على حلفائها؟

 الأيام القليلة المقبلة ستجيب على ذلك.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى