رأي

وقف النار واستراتيجية المقترح الإيراني وديناميات الساحة اللبنانية (العميد بهاء حلال)

 

كتب العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال – الحوارنيوز

 

المقدمة

في ظل الحرب الاميركية -الاسرائيلية على إيران، وما يتفرع عنها من حروب تشنها إسرائيل في ساحات متعددة، ابرزها الجنوب اللبناني، اُعلن اليوم من قبل ايران واميركا وقفا لاطلاق نار مؤقت بوساطة باكستانية ترتكز على مفاوضات قادمة على اساس مقترح إيراني—كشفت عنه The New York Times—يتضمن إطاراً تفاوضياً من عشر نقاط لوقف الصراع. لا يمكن قراءة هذا المقترح بوصفه مبادرة تهدئة تقليدية، بل كمحاولة لإعادة صياغة بنية الردع الإقليمي وقواعد الاشتباك، عبر ربط المسارات الأمنية بالاقتصادية والجيوسياسية.

 

أولاً: المقترح الإيراني كسقف تفاوضي لإعادة تعريف التوازن

 

يتضمن المقترح عناصر أساسية:

– ضمانات بعدم استهداف إيران عسكرياً، 

– وقف العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان، 

– رفع العقوبات، 

– وإعادة تنظيم المرور في مضيق هرمز مقابل ترتيبات مالية.

 

-استراتيجياً، لا تعكس هذه البنود شروط تسوية نهائية بقدر ما تمثل سقفاً تفاوضياً مرتفعاً يهدف إلى:

  1. تثبيت حصانة استراتيجية لإيران.
  2. شرعنة دورها كفاعل ضامن في الساحات الإقليمية.
  3. تحويل أدوات الضغط (العقوبات، المضائق) إلى موارد تفاوضية.

وعليه، فإن المقترح يُقرأ كأداة لإعادة تموضع إيران من حالة “الاحتواء” إلى حالة “الشريك القسري” في هندسة الأمن الإقليمي.

 

ثانياً: المركزية  اللبنانية في المعادلة التفاوضية

 

يكتسب بند وقف الضربات الاسرائيلية ضد حزب الله أهمية استثنائية، إذ ينقل الساحة اللبنانية من هامش الصراع إلى قلبه. هنا، لا يُطرح لبنان كمجرد ساحة تابعة، بل كـ مفصل استراتيجي لإعادة إنتاج التوازنات.

 

غير أن القراءة التقليدية التي تفترض أن تَدَخُل حزب الله في المواجهة جاء “دعماً لإيران” تبدو قاصرة عن تفسير السلوك الفعلي للتنظيم. فالأرجح أن الحزب دَخَل المواجهة ضد إسرائيل انطلاقاً من اعتبارات ذاتية مرتبطة بموقعه الاستراتيجي، وليس كامتداد مباشر للقرار الإيراني.

ثالثاً: حزب الله بين الاستقلال الميداني والارتباط الاستراتيجي

رغم الارتباط البنيوي بين حزب الله وإيران، إلا أن سلوك الحزب في خريف 2024 يشير إلى مستوى من الاستقلال العملياتي. فقد دخل المواجهة مع إسرائيل ضمن منطق “تثبيت الردع الذاتي”، وليس استجابة لإملاءات خارجية.

هذا التمييز مهم، لأنه يعيد تعريف العلاقة من:

علاقة “حليف–راعٍ” إلى:

علاقة “تلاقي مصالح ضمن إطار استراتيجي مشترك”.

رابعاً: تداعيات حرب خريف 2024 كعامل محفّز لإعادة الانخراط.

 

ما تعرض له الحزب خلال خريف 2024 من ضربات إسرائيلية مكثفة شكّل نقطة تحول. فهذه الضربات لم تكن مجرد خسائر تكتيكية، بل مسّت بصورة الحزب كقوة ردع .

 

بالتالي، يمكن تفسير عودة الحزب إلى المواجهة لاحقاً على أنها:

-استجابة قسرية لإعادة ترميم الردع.

-محاولة لاستعادة المبادرة العملياتية.

غير أن هذه العودة لم تكن عشوائية، بل استندت إلى:

 تحقيق إنجازات تكتيكية كبيرة في الميدان.

– إعادة تنظيم القدرات ضمن بيئة ميدانية متغيرة

 

خامساً: من الإنجاز التكتيكي إلى إعادة التموضع الاستراتيجي

 

التحولات الميدانية التي حققها الحزب بمواجهة الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب اللبناني، أتاحت له الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع إعادة تعريف دوره وموقعه.

 

في هذا السياق، يمكن فهم انخراطه في ملعب المواجهة الحالية كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى:

 

  1. إعادة تثبيت موقعه داخل لبنان

كفاعل سياسي لا يمكن تجاوزه

وكعنصر توازن استراتيجي في النظام السياسي

  1. إعادة تعريف دوره الإقليمي.

من “حليف إيراني” إلى “فاعل إقليمي شبه مستقل”

يملك قدرة التأثير في مسارات التهدئة والتصعيد.

 

سادساً: التفاوض كامتداد للحرب بوسائل أخرى

في ضوء ما سبق، يصبح بند وقف إطلاق النار في لبنان ليس مجرد إجراء إنساني أو أمني، بل:

أداة لإعادة هندسة موازين القوى بين إسرائيل، إيران، وحزب الله.

إذ تحاول إيران من خلاله:

تثبيت مكاسب حلفائها

وتحويل النفوذ الميداني إلى تعزيز الموقف السياسي.

بينما يسعى حزب الله إلى:

ترجمة صموده وعملياته وصده بمواجهة الجيش الاسرائيلي ، إلى شرعية استراتيجية مزدوجة (داخلية وإقليمية)

 

سابعاً: السيناريو المرجّح

 

من المتوقع أن يُترجم المقترح الإيراني إلى اتفاق تبقى بنوده رهن للمفاوضات، لكن الأرجح هو:

 

نشوء ترتيبات تهدئة .

تتضمن قواعد اشتباك جديدة في لبنان فرضها الميدان وتعقيدات الوضع السياسي في الاقليم.

ووقفا للعمليات الإسرائيلية مقابل ضبط سلوك الحزب 

 

هذه الترتيبات لن تُنهي الصراع، لكنها ستعيد تنظيمه ضمن سقف يمكن التحكم به.

 

الخاتمة

يعكس المقترح الإيراني محاولة واعية لإعادة صياغة النظام الإقليمي من خلال ربط المسارات العسكرية بالاقتصادية والسياسية. وفي قلب هذه العملية، تبرز الجبهة اللبنانية ( حزب الله ) ليس كمساحة صراع هامشية، بل كمنصة لإعادة تعريف أدوار الفاعلين.

 

ضمن هذا الإطار، يظهر حزب الله كفاعل اساسي يسعى إلى اعادة تعريف موقعه ودوره، مستفيداً من لحظة الصراع لإعادة تثبيت ذاته داخلياً وإقليمياً. وعليه، فإن أي وقف للحرب في المنطقة سيشمل لبنان ايضا ولن يكون نهاية لمرحلة، بل بداية لمرحلة جديدة من إعادة توزيع موازين القوة والشرعية في الشرق الأوسط.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى