ليس بعد “المضيق” إلّا الفرج ( يوسف شاهين )

د. يوسف إبراهيم شاهين – الحوارنيوز – خاص
يشير الواقع إلى أننا في بداية مرحلة صعبة وخطيرة وأكثر تعقيداً من خلال تتبّع مسار الأحداث، ما يشكّل شعوراً حقيقياً بالأزمة على المستوى العالمي بكافة جوانبه وأشكاله المختلفة وتفاصيله.
فالجانب الأميركي يشهد تطورات سياسية، أمنية واقتصادية عميقة في المسار الداخلي يعكس عجزاً في إدارة شؤون الدولة والمجتمع وأيضاً الحرب وتداعياتها والخطط الكارثية في مواجهة التحديات داخل المجتمع المحلي وفي المنطقة والعالم.
ففي خطوة اعتبرت مفاجئة، تمت إقالة المدعية العامة من الحزب الجمهوري وزيرة الدفاع بام بوندي Pam Bondi) ) بعدما انتقدها الرئيس الأميركي على إدارة قضية إبستين، وكذلك طلب وزير” الدفاع ” من رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج Randy George ) ) التنحي من منصبه وإحالته للتقاعد فضلاً عن إقالة العديد من الجنرالات، وأيضاً إستقالة مدير المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب جو كينت Joe Kent) ) وغيرهم، ما يثير تساؤلات عميقة لرؤية الإدارة الإستراتيجية في اعتبار ذلك اصلاحاً أم سيطرة؟ أم هو عدم كفاءة أو عدم ولاء؟ مما يثير مخاوف ويولد عدم استقرار ويظهر ضعفاً في الإدارة في اعتمادها ما يعرف بالإستقراء الناقص ما أوقعها في فخ الإنحياز المعرفي الذي يقود إلى استنتاجات خاطئة أو ناقصة، وما تشهده الأسواق المالية في أميركا وارتفاع الأسعار وازدياد نسبة البطالة والتفلت الأمني الداخلي لخير دليل.
وبالنسبة للدول الأوروبية وغيرها فإنها تقوم بإجراءات استثنائية لتفادي الإنفجار الداخلي في كل منها، وذلك عبر اتخاذ قرارات لخفض الضرائب ودعم المحروقات، وهي تتدخل مباشرة في الأسواق وتعمل على تقليل الخسائر، وتفكر في إعادة التموضع في المركز العالمي، فهي غير جاهزة عسكرياً أو لا ترغب بالتدخل العسكري وكان معظمها قد أعلن تباعاً الموقف من الحرب( بريطانيا، فرنسا، إسبانيا،….على سبيل المثال لا الحصر) ما يطرح تساؤلاً حقيقياً عن مستقبل ومصير أهم نظام أمني غربي “حلف الناتو”، وهل ستقوم الولايات المتحدة الأميركية بمغادرة الحلف قريباً وتطلب ممن يعنيهم أكثر أمر المضيق بالتشمير عن سواعدهم ، وجهوزية أميركا لبيع النفط كبديل؟
وأمّا دول الخليج العربية فهي في وضع لا تحسد عليه. قلق دائم وعدم استقرار، والبحث المستمر عن ترتيبات أمنية جديدة لحماية الممرات الحيوية، لأن الإعتماد بشكل كامل على الولايات المتحدة الأميركية لم يعد خياراً مضموناً، لأنه على ما يبدو لم تعد الولايات المتحدة الأميركية قوة كبيرة تقود النظام العالمي، أو لم يعد بمقدورها التصرف كذلك. فالقوة العالمية لم تعد آحادية، وهذا أخطر من الحرب لأنه يفتح الباب أمام صراعات ونزاعات غير محسوبة، ويبرز هنا سؤال مهم عن النظام العالمي: من سيملأ فراغ القوة الآحادية، ومن سيدفع الثمن؟
وعن الوضع في إسرائيل وما آلت إليه الحرب، فإن الحكومة هناك ترى أن المعركة مع إيران وحزب الله بعيدة من الحسم ولن يكون هناك نصراً كاملاً، وأضحت مقولة التفكيك والتجريد، من الماضي وليست جزءاً من الحملة العسكرية، وفقاً للنقاشات في اجتماع المجلس المصغر الذي عقد للاستماع إلى إحاطة بشأن الحرب، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على العجز الإسرائيلي أو بالأحرى الفشل الذريع في تحقيق الأهداف المعلنة سابقاً ، والاستعاضة عن ذلك باللجوء إلى تدمير القرى وجعلها منزوعة السلاح وغير مأهولة وبالتالي إنشاء منطقة عازلة، لطمأنة المستوطنين بعد خداعهم لفترة طويلة.
أما عن الشأن الإيراني، فيظهر أن إيران غير مستعجلة، فهي لا تسرع الحرب، بل تديرها وفقاً لزمنها، وهي لا تسعى لحسم سريع بل لحرب استنزاف مدروسة ومحسوبة بشكل دقيق، وأمّنت الجهوزية الكاملة لحرب طويلة وتدرّبت لأكثر من عقدين على أي غزو بري للبلاد، وزرعت ألغاماً بحرية في مضيق هرمز وتستخدم قوارب هجومية غير مأهولة، وتتقن إدارة الصراع بأدوات مركبة، وتعمل على التفكيك التدريجي للدور الأميركي في العالم، وتعتمد استراتيجية التصعيد الأفقي عبر رفع الكلفة العسكرية والإقتصادية للخصوم، وتتبع أسلوب اللامتناظر لتعويض فارق القوة” كلفة انتاج صواريخها مقارنة بالأنظمة الإعتراضية”، وتمتلك قوة جيوسياسية مقيِّدة للعالم، وجعلت من مضيق هرمز نقطة تحوّل لإعادة تشكيل موازين العالم بالسيطرة الإقتصادية الكاملة له وفرض الشروط لفتحه أو للعبور، حيث أسقطت معادلات حكمت العالم لفترة زمنية، وتركز على ضرب مصالح الخصوم وبالتالي التأثير على الإقتصاد، وهي في الوقت نفسه مرتاحة لوضعها وأعلنت عن انتهاء فترة الضيافة بعد ٤٧ عاماً.
إنها على ما يبدو نهاية ما يسمى بالنظام العالمي، فالولايات المتحدة الأميركية لم تعد كما كانت، والحلفاء لها كذلك. فإيران تملك خمس إحتياطي النفط والغاز في العالم، وهي تلوّح في ورقة مضيق باب المندب لرفع مستوى الضغوط على المنطقة كونه يربط البحر الأحمر وقناة السويس بخليج عدن والمحيط الهندي ويشكل شرياناً حيوياً للإقتصاد الدولي يتمثل بعُشر التجارة العالمية.
وعن الوضع اللبناني، الميدان أصدق إنباء من الكتب، مشفوعاً بالموقف الحازم لغالبية الشعب في التماسك والوحدة واللحمة الداخلية من خلال النفس الوطني الإنساني في التعامل مع أزمة النزوح واحتضان الوافدين من قراهم وبلداتهم، والروحية التي يتمتع بها الوافدون والأهالي الصامدون دفاعاً عن لبنان، كل لبنان، والشهامة والمروءة والكرم لأهل بيروت والجبل والبقاع والشمال وكل المناطق، الذين يتحمّلون مع أهل الجنوب ضريبة الحفاظ على الوطن وسيادته وسلامة أراضيه وسلمه الأهلي،
وأختم بالقول :لو أمطرت السماء حرية لرأيتم أكثر المسؤولين في البلد يحملون المظلات..وما بعد المضيق، إلّا الفرج.



