رأي

الخلاف السياسي لا يلغي المسؤولية الانسانية(محمد هاني شقير)

 

محمد هاني شقير – الحوارنيوز

في بلدٍ كلبنان، لا يكاد يخلو بيت من نقاشٍ سياسي أو اختلافٍ في الرأي، بما في ذلك المواقف من حزب الله. حتى داخل بيئته، ثمة من ينتقد ويعارض ويختلف، وهذا أمرٌ طبيعي وصحي، لأن التنوع في الآراء هو أحد مظاهر الحياة السياسية السليمة. لكن حين تقع الحرب، تتغيّر المعايير، وتصبح الأولويات أكثر وضوحًا: الإنسان أولًا، وما عداه يأتي لاحقًا.

اليوم، نحن في قلب محنةٍ قاسية، حيث يجد الناس أنفسهم في مواجهة واقعٍ لا يُحتمل. آلاف العائلات اضطرت إلى النزوح، لا رغبةً ولا خيارًا، بل هربًا من خطرٍ يهدد حياتهم. هؤلاء لم يغادروا منازلهم حبًا في الترحال، بل تركوا خلفهم تفاصيل عمرٍ كامل: بيوتًا سكنوها حتى صاروا جزءًا منها، حقول تبغٍ تعبوا في زراعتها، وأشجار زيتون حملت ذكرياتهم ومواسمهم. من يظن أن أهل الجنوب يهوون النزوح يخطئ فهم معنى الانتماء، ويغفل عن العلاقة العميقة بين الإنسان وأرضه.

في مثل هذه اللحظات، كان يمكن للخلاف السياسي أن يرتقي إلى مستوى المسؤولية الإنسانية. لم يكن مطلوبًا من المعترضين على الحرب أن يتخلوا عن آرائهم أو أن يبدّلوا قناعاتهم، فحرية الرأي حقٌ لا جدال فيه. لكن كان من الممكن، بل من الواجب، الفصل بين الموقف السياسي والواجب الإنساني، والوقوف إلى جانب النازحين، دعمًا ومساندةً، كما فعل كثيرون ممن أدركوا أن الكرامة الإنسانية لا تُجزّأ.

غير أن ما صدر عن بعض الأصوات تجاوز حدود النقد، لينحدر إلى خطابٍ قاسٍ، مشحونٍ بالتجريح، وأحيانًا بنبرةٍ طائفية ومذهبية تعيد إلى الأذهان فصولًا مؤلمة من تاريخٍ لم يندمل بعد. هذا النوع من الخطاب لا يخدم أي قضية، بل يعمّق الانقسام، ويحوّل الألم الجماعي إلى مادةٍ للسجال، بدل أن يكون دافعًا للتضامن.

لقد كانت هذه الأزمة فرصةً لإعادة إحياء القيم الوطنية والإنسانية، فرصةً لتأكيد أن اللبنانيين، رغم اختلافاتهم، قادرون على التكاتف في وجه المحن. إلا أن البعض اختار أن يجعل منها ساحةً لتصفية الحسابات، متناسيًا أن قوة المجتمعات لا تُقاس بحدة انقساماتها، بل بقدرتها على التماسك في أصعب الظروف.

ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا. فالذين نزحوا سيعودون، لأن الأرض ليست مجرد مكان، بل هوية وجذور وذاكرة. سيعودون إلى بيوتهم وحقولهم، إلى تفاصيلهم التي لا تُعوّض، وسيبقون متمسكين بلبنان، مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت التحديات.

في النهاية، قد نختلف في السياسة، وقد تتباين مواقفنا، لكن ما يجب أن يجمعنا دائمًا هو إنسانيتنا. ففي زمن الحرب، لا يكون التحدي فقط في الصمود، بل في الحفاظ على القيم التي تجعل من هذا الصمود فعلًا يستحق الحياة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى