
كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية بين قوى إقليمية ودولية، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لصدقية السردية التي حكمت السياسة الأميركية في المنطقة لعقود طويلة. تلك السردية التي قامت على فكرة التفوق المطلق والقدرة على فرض الإرادة بالقوة بدأت تتعرض لاهتزاز واضح، ليس فقط بفعل الوقائع الميدانية، بل أيضاً بفعل اعترافات وتحذيرات صادرة من داخل الولايات المتحدة نفسها ومن حلفائها.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب قدّم المثال الأكثر وضوحاً على هذا الارتباك. ففي فترة قصيرة فقط أعلن أن الولايات المتحدة قضت على البرنامج النووي الإيراني، ثم عاد ليقول إن واشنطن تحاول القضاء عليه. توعّد باجتياح إيران برياً قبل أن يؤكد أن بلاده لن تدخل حرباً برية. تحدث عن إسقاط النظام في طهران قبل أن يتراجع قائلاً إن تغيير النظام ليس هدفاً. هذه التناقضات ليست مجرد تبدّل في اللغة السياسية، بل تعكس أزمة حقيقية في القرار الأميركي.
لكن اللافت أن التناقض لا يظهر في تصريحات السياسيين وحدهم. فداخل الولايات المتحدة نفسها صدرت تحذيرات وانتقادات من شخصيات عسكرية وإعلامية وأكاديمية بارزة.
الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون كان من أبرز المنتقدين لسياسات الحروب المتكررة في الشرق الأوسط، معتبراً أن واشنطن تنجرف مراراً إلى صراعات لا تخدم مصالح الشعب الأميركي. وقد حذر من أن مواجهة شاملة مع إيران قد تتحول إلى حرب إقليمية واسعة لا يمكن السيطرة على نتائجها.
أما المفكر الأميركي البارز جون ميرشايمر، أحد أهم منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، فيرى أن سياسة الهيمنة التي انتهجتها واشنطن في الشرق الأوسط وصلت إلى حدودها. ويؤكد أن محاولة إخضاع إيران أو تغيير نظامها بالقوة قد تقود إلى نزاع طويل يستنزف الولايات المتحدة ويزيد من الفوضى الإقليمية.
هذه القراءة لا تأتي من الداخل الأميركي فقط. ففي إسرائيل نفسها ظهرت تحليلات تعكس قلقاً واضحاً. الصحافي الإسرائيلي المخضرم ناحوم برنياع، كبير كتّاب الرأي في صحيفة يديعوت أحرونوت، وصف دونالد ترامب بأنه «انعزالي إمبريالي»، في تعبير يلخص التناقض في السياسة الأميركية: رغبة في فرض الهيمنة من جهة، وخشية من التورط في حرب طويلة من جهة أخرى.
وفي السياق نفسه يشير بعض الباحثين الغربيين إلى أن التحولات العسكرية في المنطقة فرضت معادلات جديدة. فقد لفت الباحث البريطاني ديفيد ميللر إلى أن التطور الكبير في الصواريخ والطائرات المسيّرة غيّر طبيعة الردع التقليدي، بحيث لم تعد القواعد العسكرية أو القطع البحرية الكبرى بمنأى عن الخطر في أي مواجهة واسعة.
أما داخل المؤسسة العسكرية الأميركية نفسها، فقد جاءت تحذيرات الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق، لتعكس إدراكاً واضحاً لحجم المخاطر. فقد أكد أن ضرب إيران قد يقود إلى حرب واسعة يصعب التحكم بنتائجها، مشيراً إلى أن الحروب غالباً ما تتحول إلى صراعات أطول وأكثر كلفة ودموية مما يتوقعه صانع القرار.
وعندما تتقاطع هذه المواقف معاً، تتضح الصورة: سياسي يطلق التهديدات، وجنرالات يحذرون من الحرب، ومفكرون يتحدثون عن حدود الهيمنة، وصحافة إسرائيلية تعترف بالتناقض الأميركي. إنها لوحة كاملة تكشف أن الفجوة بين الخطاب الأميركي والواقع الاستراتيجي باتت أوسع من أي وقت مضى.
الأحداث الأخيرة كشفت أيضاً حقيقة بدأت تتضح لكثير من دول المنطقة: القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط لم تكن في جوهرها منظومة لحماية أمن هذه الدول كما كان يُقال طوال عقود، بل جزءاً من شبكة استراتيجية هدفها الأساسي حماية أمن إسرائيل وضمان تفوقها العسكري.
وعندما تحولت هذه القواعد نفسها إلى أهداف في الصراع، اكتشفت بعض العواصم أن وجودها لم يكن دائماً عامل حماية، بل قد يتحول في لحظة معينة إلى مصدر خطر إضافي.
وفي ختام هذه الصورة المركبة، يبرز رأي الضابط السابق في الاستخبارات البحرية الأميركية سكوت ريتر، الذي ذهب إلى أبعد من ذلك في تقييمه للمشهد. فريتر يرى أن الاعتقاد بإمكانية تحقيق نصر سريع على إيران هو وهم سياسي، مؤكداً أن أي مواجهة مباشرة لن تكون عملية عسكرية خاطفة، بل حرب استنزاف واسعة قد تتحول إلى كارثة استراتيجية للولايات المتحدة نفسها.
ومع تراكم هذه الوقائع، يتبيّن أن إيران — بصرف النظر عن حجم المظلومية التي تعرضت لها من اعتداءات واغتيالات وضربات استهدفت حتى المدنيين والأطفال — استطاعت أن تحافظ على قدر من المصداقية الاستراتيجية في مواقفها وخياراتها. فهي لم تخفِ طبيعة الصراع، ولم تتراجع عن معادلات الردع التي أعلنتها، بل تعاملت مع المواجهة بوصفها معركة وجود وسيادة.
ولهذا، فإن الصراع الدائر اليوم لم يعد مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختبار لإرادات سياسية واستراتيجية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تُقاس النتائج فقط بما يجري في ساحة المعركة، بل أيضاً بمدى قدرة الأطراف على الصمود والحفاظ على سرديتها أمام العالم.
ومن هذه الزاوية، قد يشتد التحالف الصهيوني الأميركي وقد تتضاعف الضغوط العسكرية والسياسية، لكن التاريخ يعلّمنا أن الحروب لا تُحسم دائماً لصالح من يمتلك القوة الأكبر، بل كثيراً ما تميل الكفة في النهاية إلى الطرف الذي يمتلك الإرادة والصبر والقدرة على الصمود.



