رأي

بين عقلٍ يمنع الحرب وجنونٍ يشعلها: لماذا تبقى المواجهة بين إيران وأميركا مستبعدة؟ (أسامة مشيمش)

 

بقلم د. أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز 

عندما قلتُ في إحدى مقابلاتي الإذاعية إنّ الحرب بين إيران والولايات المتحدة مستبعدة، لم يكن ذلك من باب التفاؤل العاطفي، ولا من باب الرغبة في طمأنة الرأي العام، بل استنادًا إلى قراءة واقعية لموازين القوى وتعقيدات المشهد الإقليمي والدولي. شرحتُ يومها الأسباب الموضوعية التي تجعل قرار الحرب قرارًا انتحاريًا للطرفين، وكتبتُ قبل أسبوعين أو أكثر مقالة تناولت فيها بصورة عامة التداعيات الكارثية لأي مواجهة مفتوحة، ليس على البلدين فحسب، بل على كامل المنطقة الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط.

إنّ حربًا بهذا الحجم لن تكون نزهة عسكرية سريعة، ولن تبقى ضمن حدود جغرافية ضيقة، بل ستتحول إلى حريق واسع يطال الممرات البحرية، وأسواق الطاقة، والاستقرار المالي العالمي، فضلًا عن البنى الاجتماعية الهشة في دول المنطقة. ومن هنا قلت بوضوح: إنّ العاقل هو من يمنع الحرب، أما المجنون وحده من يشعلها. فقرار إشعال مواجهة شاملة في بيئة متفجرة أصلًا، يشبه إلقاء عود ثقاب في مستودع بارود.

التاريخ مليء بالعِبر. يُقال إنّ الإمبراطور الروماني نيرون أحرق روما ليستمتع بمشهد النار ويستلهم لحنًا حزينًا من المأساة. قد تختلف الروايات حول دقة القصة، لكن العبرة ثابتة: حين ينفصل الحاكم عن وعيه بالمسؤولية، تتحول المدن إلى رماد، وتتحول الشعوب إلى ضحايا نزوات سياسية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام عقول باردة تحسب النتائج، أم أمام اندفاعات متهورة قد تجرّ الجميع إلى الهاوية؟

لقد أوضحتُ في مقالي السابق أنّ كلفة الحرب لا تُقاس بعدد الصواريخ أو بحجم الترسانة، بل بانهيار منظومات كاملة: اقتصادات ستُشلّ، عملات ستنهار، استثمارات ستتبخر، ومجتمعات ستدخل في دوامات عنف لا تنتهي. المنطقة بأسرها تقف على حافة أزمات متراكمة؛ من أزمات مالية خانقة إلى انقسامات سياسية حادة. وأي مواجهة كبرى ستدفع بهذه التراكمات إلى الانفجار.

غير أنّ القلق لا ينبع فقط من الحسابات العسكرية، بل من مناخ عالمي مضطرب، تتكاثر فيه التقارير عن شبكات مصالح وعلاقات مشبوهة، كما ظهر في التسريبات المرتبطة بقضية جيفري إبستين، التي كشفت حجم التشابك بين المال والسياسة والنفوذ. حين تتداخل المصالح الخاصة مع القرارات السيادية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يملك فعلًا قرار الحرب والسلم؟ وهل ما زالت المؤسسات قادرة على ضبط الإيقاع، أم أنّ الجميع بات متورطًا في شبكة مصالح تعمي البصيرة؟

إنّ أخطر ما في المشهد ليس التهديدات المتبادلة، بل احتمالات الخطأ في التقدير. فالتاريخ يعلمنا أنّ الحروب الكبرى كثيرًا ما بدأت بسوء فهم، أو بحسابات خاطئة، أو برغبة في تسجيل نقاط سياسية داخلية. لذلك أكرر: المجنون وحده من يظن أن بإمكانه التحكم بمسار النار بعد إشعالها.

في النهاية، لا أزال عند موقفي: الحرب الشاملة مستبعدة لأن كلفتها تفوق قدرة الجميع على الاحتمال. غير أنّ استبعادها لا يعني انتفاء الخطر، بل يفرض يقظة دائمة وضغطًا شعبيًا وسياسيًا باتجاه تغليب العقل. فالعالم لا يحتمل نيرون جديدًا، والمنطقة لا تحتمل حريقًا آخر.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى