
كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
على شفير الحرب أم على مسافة خطوات من الهجوم الأميركي على إيران، يقف الشرق الأوسط داخل متاهة استراتيجية يصعب فك شيفرتها أو الجزم بمآلاتها.
المشهد ليس بسيطاً ولا خطيراً، بل معقد وتتداخل فيه التسريبات بالوقائع، والضغط السياسي بالتموضع العسكري. غير أن المؤشرات المتقاطعة، سواء الآتية من واشنطن أو من تل أبيب، تدفع إلى الاعتقاد بأن المنطقة تقترب من اختبار خطير قد يعيد رسم توازناتها لسنوات طويلة.
تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس حول اقتراب نهاية الدبلوماسية، وما يواكبها من تسريبات إعلامية عن مهلة قرار حاسمة، تتزامن مع استعدادات إسرائيلية داخلية لا توحي بطمأنينة. الإعلام الإسرائيلي يتحدث بلغة “اليوم التالي”، والملاجئ تُجهّز، والدوائر الأمنية ترفع مستوى الجهوزية، ما يعكس قناعة بأن أي ضربة أميركية محتملة لن تمر من دون رد واسع.

في هذا المناخ المشحون، تتسارع حركة الأساطيل وتُرفع جهوزية القواعد. تقارير Axios وThe Wall Street Journal تحدثت عن خيار عملية عسكرية أميركية قد تمتد لأسابيع إذا فشلت الدبلوماسية، فيما وضعت واشنطن مهلة قرار تقارب عشرة أيام لحسم المسار. هذا التوقيت السياسي يتقاطع مع تموضع عسكري متقدم، يوحي بأن القرار، أياً يكن، لن يفتقر إلى أدوات التنفيذ.
في الميدان، تحركت حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford باتجاه نطاق القيادة المركزية، بينما تتموضع USS Abraham Lincoln في بحر العرب. وجود حاملتين في مسرح عمليات واحد ليس تفصيلاً تقنياً، بل رسالة ردع قصوى. الحديث عن طائرات متخصصة بقمع الدفاعات الجوية من طراز F-16CJ يعكس تفكيراً بفتح ممرات جوية عبر استهداف الرادارات ومنظومات الدفاع الإيرانية، في حال اتخذ القرار. كما أن نشر طائرات إنذار مبكر وتزويد وقود جوي يرفع قدرة إدارة معركة ممتدة زمنياً، وإن كانت الأرقام المتداولة حول حجم الحشد تبقى في إطار التقديرات غير المعلنة رسمياً.
في المقابل، لم تنتظر طهران سلباً. وصول الكورفيت الروسية ستويكي إلى بندر عباس، بالتزامن مع مناورات بحرية إيرانية روسية صينية في محيط مضيق هرمز، رفع مستوى الحساسية الاستراتيجية. وجود قطع بحرية روسية في نطاق قريب من مسرح العمليات لا يعني تحالف حرب مباشر، لكنه يضيف طبقة تعقيد تجعل أي خطأ تكتيكي قابلاً للتدويل. إيران لوّحت بورقة هرمز عبر مناورات وتهديدات مبطنة بإقفال الممر الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، ما يحول أي مواجهة إلى أزمة طاقة دولية.
التعاون التقني مع الصين، بما في ذلك الاعتماد على نظام الملاحة BeiDou، يعكس مساراً استراتيجياً طويل الأمد، لكنه لا يرقى تلقائياً إلى محور عسكري يخوض حرباً مباشرة ضد واشنطن. بكين وموسكو ترفعان كلفة أي قرار أميركي، من دون أن يعني ذلك انخراطاً مباشراً في مواجهة مفتوحة.
في إسرائيل، مؤشرات الطوارئ تتصاعد. تجهيز الملاجئ الطبية ونقل أقسام حساسة تحت الأرض يعكسان تقديراً بأن الرد الإيراني، إذا حصلت ضربة، قد يكون مباشراً وشاملاً. الحسابات الإسرائيلية لا تتوقف عند الصواريخ البعيدة المدى، بل تمتد إلى احتمال تفعيل الجبهة اللبنانية إذا توسعت المواجهة، ما يجعل لبنان في دائرة الخطر العملياتي حتى لو لم يكن طرفاً في قرار الحرب.
المعادلة الراهنة ليست قدراً محتوماً بالحرب، لكنها سباق أعصاب بين مهلة سياسية قصيرة وآلة عسكرية جاهزة. الخيارات ثلاثة: مفاوضات قسرية تؤجل الانفجار، ضربة محدودة يتبعها رد مضبوط، أو توسع إقليمي تتعدد فيه الجبهات وتشتعل فيه ساحات مترابطة.
المسألة لم تعد في إطار التحليل النظري، بل في حسابات الساعات والأيام القليلة المقبلة. وبين خيار الحرب وخيار المفاوضات القسرية، تقف المنطقة على حافة قرار سيحدد شكل العقد القادم بأكمله. وإذا اشتعلت النيران، فإن السؤال لن يكون عن شرارتها، بل عن قدرتها على التمدد، لأن حرباً من هذا النوع، إن بدأت، لن تكون محدودة الأثر، بل مفتوحة على احتمالات لا تُعرف حدودها.



