رأي

الميدان يفرض الوقائع الحقيقية وليس الأوهام (أكرم بزي)

 

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

تشهد المنطقة تحولات دراماتيكية تتجاوز حدود المناوشات المعتادة، حيث تتقاطع نذر الانفجار العسكري الشامل مع تعقيدات سياسية تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي تزدحم فيه الأجواء والممرات المائية بتعزيزات استراتيجية أمريكية غير مسبوقة تضع المنطقة على حافة المواجهة الكبرى، يبرز الميدان اللبناني كعنصر حاسم في تفتيت أوهام التفوق العسكري الصهيوني وتحويل طموحات السيطرة إلى واقع مرير من الاستنزاف والاعتراف بالفشل الميداني وتراجع قدرة الجيش الصهيوني.

 وتتزامن هذه التطورات العسكرية مع حراك دبلوماسي إقليمي مكثف، تقوده محاور تسعى جاهدة لتحصين الجبهات الداخلية اللبنانية والإقليمية من محاولات الاستفراد أو فرض التنازلات السياسية تحت وطأة الضغط العسكري، مما يضع الإدارة الأمريكية وحلفاءها أمام مأزق تآكل الردع وفشل البروباغندا التقليدية، ليرتسم مشهد جديد تؤكد فيه الوقائع أن إرادة المواجهة ووحدة الساحات باتت هي المتحكم الفعلي في مسارات التفاوض، بعيداً عن الإملاءات الخارجية التي تحاول إعادة تعريف انكساراتها على أنها ترتيبات سياسية عابرة.

وفي الميدان اللبناني تحولت منطقة الخط الأصفر إلى ساحة استنزاف حقيقي لقوات النخبة الإسرائيلية، حيث تدير المقاومة عملياتها بلامركزية تامة تفرض معادلات ميدانية قاسية، وقد أجبر هذا الصمود الميداني الاحتلال على كشف جزء من خسائره البشرية المتصاعدة التي بلغت وفق تقارير صحيفة يديعوت أحرونوت والقناة 12 العبرية نحو 140 قتيلاً و1200 جريح حتى مطلع عام 2026، وتتزايد الاعترافات الإعلامية العبرية بالوقوع مجدداً في الوحل اللبناني الذي ينهك قدرات الجيش ويمنعه من التثبيت في القرى الحدودية، وما جرى أمس من إطلاق صواريخ على شتولا وهجوم باتجاه منطقة تمركز للعدو في مدينة بنت جبيل قرب مدرسة جميل جابر قد أظهر بوضوح حجم المأزق الذي تعاني منه قوات النخبة الصهيونية في مناطق تواجدها.

لكن حزب الله كسر القاعدة التقليدية للحروب، فبدلاً من انتظار الضربة الاستباقية، بدأ هو بالمبادرة، حيث استهدفت مسيرة مفخخة قافلة إسرائيلية واندفعت الصواريخ نحو الشمال مع عمليات نوعية في القرى المحتلة، والرسالة كانت واضحة للجميع: “نحن جاهزون، نعرف ما يجري له، ولن نخدع”، ومن يبدأ يختار التوقيت والمكان ونوع السلاح، بينما من يُجبر على الرد يفعل ذلك من موقع ضعف، فالحزب انتقل من موقع المنتظر للضربة إلى موقع صاحب المبادرة، وهو فارق كبير أربك حسابات القيادة المركزية الأمريكية.

إن الحدث صعب جداً (كالعادة) ولا يمكن للرقابة العسكرية الإسرائيلية الكشف عنه، حيث اخترقت مسيرة المقاومة كل الدفاعات وضربت قافلة عسكرية، وبينما اكتفى الجيش بالاعتراف بـ”إصابة جندي”، إلا أن صحيفة هآرتس كشفت سابقاً أن مسيرات المقاومة لا حل لها، وهذا الاعتراف يؤكد أنه لا يمكن إيقاف هذه المسيرات ولا فرض الخط الأحمر والأصفر.

وعلى الصعيد السياسي تبرز الاتصالات السعودية الإيرانية اللبنانية الراهنة كحائط صد يهدف إلى كبح الاندفاعة السلطوية نحو المفاوضات مع الصهاينة ورفض تقديم مزيد من التنازلات، خاصة وأن ما يحاك في واشنطن وعوكر بالتنسيق مع أطراف خليجية حول سلاح المقاومة يهدف لتجريد لبنان من أوراق قوته، إلا أن الوقائع تشير إلى نتائج عكسية، فالفكرة التي يجب أن تترسخ هي أن الولايات المتحدة يمكن أن تفشل وقد فشلت بالفعل، فبينما كان ترامب يلوح بالتصعيد، أعلن فجأة تمديد الهدنة 3 أسابيع بعد صواريخ المقاومة، مما يعكس تراجعاً واضحاً أمام المعادلة المفروضة.

لقد أفسد حزب الله التوقيت المثالي للعدو، فأمريكا وإسرائيل كانتا تحتاجان لإعادة حساباتهما مع منح ترامب تل أبيب حرية الحركة في عمليات جراحية “حذرة”، وما حدث في 23 نيسان يمثل درساً استراتيجياً للتاريخ: عندما تعرف أن العدو يخطط لمباغتتك، لا تنتظر الضربة، بل باغته أنت أولاً، واسرق منه عنصر المفاجأة لتجبره على الرد من موقع دفاعي، وهذا الواقع يكسر الصورة النمطية للهيمنة الأمريكية المطلقة، ففي اللحظة التي كان يفترض فيها أن تفرض واشنطن إرادتها، وجدناها تتعرض لضغوط هائلة لوقف الحرب، ويفرض عليها واقع سيادي جديد في مضيق هرمز، وتجبر على التمديد دون طلب إيراني.

 إن محاولات تسويق هذا التراجع عبر “تخريجات” إعلامية تارة بطلب باكستاني وتارة بفصل ملف لبنان عن المسار العام هي محاولة واضحة لتحييد أوراق الضغط بعيداً عن طهران، أما طرح التفاوض مع الحكومة اللبنانية فيصطدم بواقع أن لبنان لم يعتد اتخاذ قراراته المصيرية من طرف واحد، وما يجري اليوم في الداخل الإيراني من موقف موحد خلف استراتيجية المواجهة يعزز قدرة طهران على فرض سيادتها في مضيق هرمز وتحدي الحصار بنجاح، مما يضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق تآكل الردع، لتبقى الدفاعات الجوية الإيرانية وقوى محور المقاومة في حالة تأهب قصوى للرد على أي مغامرة قد تشعل حرباً وجودية شاملة في المنطقة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى