لا نووي، لا صواريخ، لا أذرع:هذا ما قد يريده ترامب حقاً من إيران؟(سعد محيو)

كتب سعد محيو:
طيلة الشهرين الماضيين، اي منذ اندلاع الاضطرابات الداخلية الخطيرة في إيران الشقيقة وما تتخللها من حشود وتهديدات أميركية، غرق المحللون في الغرب كما الشرق في طرح سيناريوهات لا تكاد تنتهي حول المحصلات المحتملة لهذه المجابهة.
وللامانة، كان معظم المحللين الجادين يعترفون بأن التنبؤ او التكهن حول هذه المحصلات المحتملة يكاد يكون مستحيلا:
فلا احد قادر فعلا على معرفة كيف يفكر العقل الإيراني ، الذي يرقى دهاؤه الشهير الى ستة آلاف سنة من الحضارة الفارسية العريقة. وهو امر اعترف به حتى هنري كيسينجر في كتابه ماقبل الاخير ” النظام العالمي- في العديد من صفحاته( الارث الفارسي ١٤٩–١٥١، ١٦٧، ٣٨٧).
وفي المقابل، لا يعرف أحد ايضا كيف يفكر ويخطط الرئيس الأميركي ترامب، خاصة بعد ما اعتدى فجاة على إيران وهو يتفاوض معها، وبعد ان اجتاح فنزويلا وخطف رئيسها وهو يدّعي انه يخوض حربا ضد المهربين وتجار المخدرات.
مع ذلك، اجمعت كل التحليلات تقريبا على ان ترامب يريد امورا ثلاث: البرنامج النووي، والصواريخ البالستية، وحلفاء إيران في المنطقة.
بيد ان كاتب هذه السطور لديه فرضية اخرى تستند الى كل من الجانب النظري لدى إدارة ترامب ( وثيقة الأمن القومي الأخيرة) وإلى سلوكيات ترامب ) في غزة ولبنان وسورية.
هذه الفرضية تقول ان الرئيس الأميركي يريد بالدرجة الاولى أمرا آخر مختلف تماما: الغاز الايراني ، و النفط الايراني، والسوق الايراني الذي يضم ٩٠ مليون نسمة والمتضمن طبقة وسطى مستهلكة كبرى متعطشة لسلع العولمة.
الادلة؟
انها متوافرة نظريا، كما اسلفنا، في وثيقة الأمن القومي التي نصّت بصراحة ووضوح ان ” الشرق الاوسط لم يعد يحظى بالنسبة للولايات المتحدة بالاهمية الجيو سياسية التي كان عليها خلال العقود الماضية” ، وأن ما بات يهم أميركا الآن في هذه المنطقة ” هو الاقتصاد والتجارة “.
اما من حيث الممارسة فلنا بما اعلنه ترامب نفسه حول ما يريده في غزة مؤشرات فاقعة: إذ اعلن أنه يريد ” امتلاك” القطاع كي تقوم الشركات الاميركية بتحويله الى رفييرا شرق اوسطية. هذا اضافةبالطبع الى وضع اليد الاميركية على حقول الغاز الغزاوية .
وكما في غزة ، كذلك في جنوب لبنان: منطقة اقتصادية – غازية، وكذلك في سواحل سورية ( حقول الغاز لصديقته شركة شيفرون العملاقة).
هل اتضحت الصورة الان؟
فيما كانت كل الانظار منصبة على جيوبوليتيك الشرق الاوسط، كان كل اهتمام ترامب يتمحور حول الحصاد الاقتصادي الذي يجب ان تقطفه الشركات الكبرى متعددة الجنسيات إضافة الى عائلة ترامب وشركاتها العقارية العديدة .
هل يعني ذلك ان ترامب قد يقبل التنازل عن الشروط العلنية الثلاثة الواردة اعلاه، اذا ما حصل على موافقة ايران على مطالبه التجارية؟
ربما. لا بل الأرجح ان يكون الامر كذلك ، لان هذه الشروط الثلاثة ( ماعدا الاذرع) لا تشكل تهديدا للأمن القومي الأميركي ولا لموقع اميركا العالمي. هذا في حين ان دمج ايران في العولمة الاقتصادية الاميركية سيكون إضافة نوعية ودولية لها، ويساعدها للغاية على استكمال محاصرة مبادرة الحزام والطريق الصينية ،وتفكيك او اضعاف كل من منظمتي البريكس وشنغهاي.
الان، فلنفرض ان هذا بالفعل هو الهدف الحقيقي لترامب، اي تكرار تجربة دمج الصين في نظام العولمة لكن هذه المرة مع إيران، فهل يمكن ان توافق ايران على هذه المقاربة؟
(غدا نتابع )



