حمدان وزبيب وديبة في ندوة للحزب الشيوعي : نحو سياسة اقتصادية – اجتماعية بديلة

كتبت ديما زرقط – الحوارنيوز– خاص
بدعوة من الحزب الشيوعي اللبناني، أقيمت مساء الثلاثاء 10 شباط 2026 في مسرح المدينة – بيروت، ندوة حوارية بعنوان «نحو سياسة اقتصادية – اجتماعية بديلة»، بحضور عدد من النواب، والأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب، إلى جانب حشد من المهتمين والناشطين.
وقدمت المداخلات رؤى علمية لسياسات بديلة تشكل، من وجهة نظر الخبراء المشاركين، مدخلا طبيعيا لانتاج نظام اقتصادي بديل وعدم توهم القدرة على اعادة انتاج نظام ما بعد الطائف.
الوقائع

استُهلت الندوة بالنشيد الوطني اللبناني، تلاه نشيد الحزب الشيوعي اللبناني، ثم أدارت الحوار نايا السمراني، عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي اللبناني، التي قدّمت لمحاور الندوة، معتبرة أن تسجيل مؤشرات تعافٍ اقتصادي هش على الأسس البنيوية نفسها التي ولّدت الأزمة، يطرح سؤالاً مصيرياً: هل يمكن بناء سياسة اقتصادية – اجتماعية بديلة؟
كمال حمدان: أزمة الأجور ليست بنت الساعة

استُهل المحور الأول بعنوان «الرواتب والأجور والضمانات الاجتماعية» بمداخلة للدكتور كمال حمدان، المدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والاستشارات، وأستاذ مادة النقود والمصارف في الجامعة اللبنانية، وعضو سابق في لجان خبراء شكلها مجلس الوزراء اللبناني.
استهل حمدان مداخلته بالتأكيد أن أزمة الأجور «ليست بنت الساعة»، بل هي جزء من أزمة النظام الاقتصادي – الاجتماعي الذي تبلور منذ مطلع التسعينيات. وأوضح أن مداخلته تنقسم إلى قسمين: الأول يضع المسألة في إطارها التاريخي، والثاني يتناول ما حصل بعد عام 2019 والانهيار الذي وصفه بـ«الزلزال».
ورأى أن طريقة تعاطي الحكومات المتعاقبة مع أزمة تبخر ودائع اللبنانيين تقود إلى نتيجة مفادها أن «اللبنانيين كالأيتام»، معتبراً أن المسألة لا تقتصر على الفساد والنهب، بل تتصل بنمط اقتصادي هجين تشكّل بعد الحرب الأهلية، على أيدي قوى سياسية واقتصادية مستندة إلى دعم إقليمي ودولي.
وشدد على أن الخطوة الأولى التي كانت مطلوبة بعد انفجار الأزمة عام 2019 تمثلت في إخضاع مصرف لبنان والمصارف التجارية لتحقيق جنائي شامل، وفتح كل الوثائق المتعلقة بالهندسات المالية، والتثبيت النقدي، ومنصة «صيرفة»، وأموال الدعم، وتصفية القروض على سعر الصرف القديم. وأضاف أنه كان يفترض، في ضوء النتائج، محاسبة المرتكبين ومصادرة أصولهم داخل لبنان وخارجه، «كما حصل في تجارب دول أخرى».
واعتبر أن إهدار الوقت خلال السنوات الست الماضية أدى إلى استنزاف أبرز ركيزتين كان يمكن توظيفهما في مشروع تعافٍ: احتياطات مصرف لبنان التي تراجعت من نحو 40–45 مليار دولار إلى ما بين 10 و12 ملياراً، ومحفظة القروض المصرفية التي انخفضت إلى نحو 15% من قيمتها السابقة.
وفي مقاربته التاريخية لأزمة الأجور، أشار إلى «نظرة دونية» سادت تجاه الأجر ونظام العمل المأجور، لافتاً إلى ضعف الحماية الاجتماعية، وغياب ضمانات فعلية لشروط العمل والتقاعد، وتجاهل تعاظم العمل غير النظامي الذي يطال نحو 60% من الأجراء، إضافة إلى تأخير إنشاء صندوق ضمان البطالة، والتقصير في تسديد الدولة متوجباتها للضمان الاجتماعي.
كما توقف عند تجربة لجنة المؤشر، مشيراً إلى غياب الاستدامة والموارد البشرية الكافية، ومذكّراً بدور إدارة الإحصاء المركزي في إنتاج مؤشر أسعار المستهلك منذ عام 1977، معتبراً أن تصحيح الأجور وحمايتها مرتبطان بوجود مؤشر دقيق.
واستعرض حمدان سلسلة الصدمات التي تعرّض لها الاقتصاد، من معدلات تضخم مرتفعة في الثمانينيات بلغ متوسطها نحو 110% سنوياً، إلى انفجار الريع العقاري منتصف العقد الأول من الألفية، حيث تضاعفت أسعار الأراضي والسكن أربع مرات تقريباً، ما رفع عدد الرواتب اللازمة لشراء منزل من 100 إلى 400 راتب شهري.
وانتقد السياسات الضريبية «الرجعية» التي زادت العبء على الفئات المتوسطة والفقيرة، إضافة إلى انهيار قطاعات الإنتاج الأساسية، معتبراً أن ذلك شجّع هجرة الشباب وخدم مصالح «الأوليغارشية» التي فضّلت تصدير الموارد البشرية بدل توظيفها في مشروع إنمائي.
وفي ما يتعلق بسلسلة الرتب والرواتب، أوضح أنها لم تتجاوز كلفتها 3% من الفجوة المالية، وأن مفاعيلها الإيجابية لم تدم أكثر من سنتين، قبل أن يستبدل النظام بعد 2019 بالحوافز وبدلات النقل التي باتت تشكل نحو 85% من تعويضات موظفي القطاع العام خارج أساس الراتب.
وختم الجزء الأول بالتنبيه إلى أن مؤشر الأسعار لعامي 2025–2026 يسجل ارتفاعاً بنحو 46%، ما يعني تآكل القيمة الفعلية للدولار، معتبراً أن ذلك يعكس «اقتصاداً محكوماً بتحالفات رأس المال الكبير»
محمد زبيب: المصارف مفلسة وأي إنقاذ ملتوي يؤسس لتعثر جديد

في المحور المتعلق بقانون الفجوة المالية، تحدث الصحافي الاقتصادي محمد زبيب، فشكر المنظمين، معتبراً أن لبنان يعيش مرحلة يجري فيها التحضير لانهيار مقبل «عن وعي أو غير وعي».
ورأى أن مشروع القانون المعروض على مجلس النواب يؤسس لتعثر مالي جديد من خلال مراكمة التزامات طويلة الأمد بكلفة يعجز المجتمع عن تحملها، كما يؤسس لنزاعات اجتماعية إضافية.
وأكد أن السياسات البديلة لا يمكن أن تُناقش ضمن منطق «أفضل الممكن»، بل ضمن خيال سياسي يتجاوز تكرار النموذج نفسه، مشدداً على أن «الجهاز المصرفي في لبنان مفلس بالمعنى الاقتصادي»، وأنه لا يمكن تصور حل عادل يقوم على إنقاذ مصارف مفلسة.
واعتبر أن نقل خسائر تُقدّر بعشرات المليارات إلى الميزانية العامة، في ظل ناتج محلي لا يتجاوز 30–35 مليار دولار، يجعل من المستحيل حسابياً الوفاء بالتزامات قد تصل إلى 150 أو 200 مليار دولار.
وتوقف عند مفارقتين: الأولى أن الدولة ترفع خطاب السيادة المركزية في وقت لا تتجاوز موازنتها 15% من الناتج المحلي، ما يجعلها من أدنى عشر دول عالمياً من حيث الإنفاق نسبة إلى الناتج. والثانية أنها، رغم ذلك، حققت فائضاً في الموازنة يقارب مليار دولار العام الماضي، وراكمت منذ 2023 نحو 1.85 مليار دولار فائضاً، فيما يجري «تعقيم» الإيرادات في مصرف لبنان بذريعة تثبيت سعر الصرف.
وختم بالتأكيد أن المسألة لا تتعلق بإنكار حقوق المودعين، بل بضرورة النظر إلى فجوة الدولة لا فجوة المصارف فقط، وفتح نقاش جريء حول نموذج اقتصادي جديد
غسان ديبة: نحن بحاجة إلى نموذج اقتصادي جديد

في المحور الختامي، تحدث الدكتور غسان ديبة، استاذ مادة الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)، معتبراً أن لبنان يقف على مفترق طرق بعد ست سنوات من الأزمة.
ورأى أن عودة النمو الكمي في عام 2025 وبعض التغيرات البنيوية لا تعني انتهاء مفاعيل الأزمة، مشيراً إلى حصول إعادة توزيع كبرى للدخل والثروة خلال فترة التضخم المرتفع، وهو ما ترافق تاريخياً في بلدان أخرى مع تحولات سياسية عميقة.
وأكد أن الأزمة نتجت عن النموذج الاقتصادي – السياسي الذي بُني بعد عام 1992، داعياً إلى التخلي عن أوهام إعادة إنتاجه. واعتبر أن الحكومة الحالية «تمثل الماضي وربما بعض الحاضر، لكنها لا تمثل المستقبل».
ودعا إلى تطوير القوى المنتجة والعدالة الاجتماعية، وإلى فك الارتباط بين العدالة الاقتصادية والتحاصص الطائفي، معتبراً أن الطائفية كرّست صراعاً على الموارد بدل بناء قاعدة إنتاجية.
وشدد على ضرورة الانتقال من رأسمالية الريع إلى رأسمالية إنتاجية تستخدم السياسات الصناعية والتكنولوجية، مع دور فاعل للدولة في الاقتصاد، «كما يحصل في أكثر الدول الرأسمالية»
واختُتمت الندوة بمداخلات وأسئلة من الحضور، أجاب عنها المتحدثون الثلاثة، وسط تأكيد على استمرار النقاش حول سبل الخروج من الأزمة وبناء سياسة اقتصادية – اجتماعية بديلة.




