المبادرة المصرية بين الرفض والتعديل على وقع التصعيد(أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
في خضمّ الاشتباك السياسي – العسكري المتصاعد في المنطقة، عادت المبادرة المصرية إلى الواجهة بوصفها إحدى القنوات القليلة القادرة على لعب دور في تخفيف حدّة التوتر الإقليمي، ولو بحدوده الدنيا. غير أنّ هذه المبادرة، التي انطلقت في الأساس كصيغة تهدف إلى خلق فجوة في جدار الانفجار، باتت اليوم تقف على الحدود الفاصلة بين الرفض الصريح من جهة، ومحاولات التعديل المتدرجة من جهة أخرى، بما يعكس واقعاً إقليمياً جديداً تتحكم به موازين قوة متبدّلة ومقاربات أقلّ ما يقال فيها إنها شديدة التعقيد.
من الواضح أن المبادرة المصرية لم تعد تحظى بالإجماع الذي رافقها في لحظات التهدئة السابقة. القوى المحلية والإقليمية تتعامل معها ببرودة محسوبة، بعضها بدافع الشك في نيات الجهات الراعية، وبعضها الآخر لاقتناعه بأن الظروف الميدانية لم تعد تشبه تلك التي ولدت فيها المبادرة أصلاً. لذلك، أصبح التعاطي معها يجري على قاعدة “التعديل لا الرفض الكامل”، و“التطوير لا الإسقاط”، وهو ما يفتح الباب أمام مسار تفاوضي طويل قد يشهد تغييرات في الجوهر أكثر من الشكل.
على مستوى الميدان، يبدو أن التصعيد المتنقل يعيد رسم حدود النقاش حول جدوى أي مبادرة. أصوات القذائف، وتوسّع رقعة الاشتباك، وارتفاع منسوب الاستنفار، كلها عوامل تجعل المبادرة المصرية أقرب إلى محاولة لإدارة الوقت أكثر منها مسعى للحلّ. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أنها تشكّل عملياً منصة تتيح للقوى المنخرطة في المواجهة إرسال رسائل سياسية من خلالها، سواء عبر القبول المشروط، أو عبر رفع سقف الاعتراض بهدف تحسين شروط التفاوض.
أحد أبرز التحوّلات التي فرضت نفسها في الأيام الأخيرة هو دخول قوى المقاومة على خط المقاربة التفصيلية للمبادرة. ورغم عدم تبنّيها العلني لها، إلا أن المواقف الصادرة عنها تعكس وضوحاً في فهم اللحظة السياسية وفي تحديد إطار التعامل مع أي طرح سياسي يتجاهل معادلة الردع القائمة أو يحاول الالتفاف عليها. فالعمليات الميدانية التي تتكامل مع خطاب أكثر ثباتاً، تُرسل إشارة واضحة مفادها أن أي مبادرة لا تأخذ بعين الاعتبار الحق المشروع في الردّ، ولا تعالج جذور الاعتداءات المتكررة، ستبقى أسيرة التعديلات التي لا بدّ أن تفرضها الوقائع على الأرض.
اللافت أيضاً أنّ القوى الدولية تتعامل مع المبادرة المصرية بوصفها خياراً اضطرارياً، لا قناعة كاملة. الولايات المتحدة تسعى إلى منع الانفجار الشامل، لكنها في الوقت نفسه تمارس ضغوطاً تهدف إلى تعديل المبادرة بما يخدم مقاربتها الأمنية. أما الأطراف الأوروبية، فهي تتحرك ببطء شديد، فيما تحاول أطراف عربية أخرى الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن، خشية من انزلاق إقليمي يصعب السيطرة عليه. هذا التعدد في المقاربات، وإن كان يعكس حجم الإرباك الدولي، لكنه يكشف أيضاً أن المبادرة ليست ثابتة بل قابلة للتغيير بحسب مسار التصعيد.
في المحصلة، تبدو المبادرة المصرية اليوم وكأنها تقف على مفترق حاسم:
لا هي مرفوضة بالكامل، ولا هي مقبولة بصيغتها الحالية.
لا هي قادرة على كبح التصعيد، ولا يمكن تجاهلها كلياً في لحظة إقليمية تكاد تكون الأكثر هشاشة منذ سنوات طويلة.
وإذا كان الثابت الوحيد في المشهد هو أنّ الميدان بات ينتج السياسة لا العكس، فإن أي مبادرة — مصرية كانت أم غيرها — لن تمتلك القدرة على الحياة إلا بقدر ما تنسجم مع الحقائق الصلبة التي فرضتها المواجهة، ومع المواقف الواضحة التي تؤكد أن زمن فرض الشروط من طرف واحد قد انتهى.
وهكذا، تبقى المبادرة المصرية بين الرفض والتعديل، معلّقة على خيط رفيع من التطورات، تنتظر ما إذا كان التصعيد سيسحبها نهائياً من التداول… أم سيدفع الجميع إلى إعادة إحيائها “على نار خفيفة” وفق موازين جديدة تكتبها المراحل المقبلة.



