هل يكون جوزف عون آخر رئيس ماروني للبنان بصيغته الحالية ؟( أحمد حوماني)

بقلم الدكتور أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
قد يكون العنوان صادمًا، لكن المسار الذي اختطه الرئيس جوزف عون حُكمًا سيوصل إلى هذه النتيجة، ليس ذلك تنبؤًا بالغيب، ولا هو معلومات ومعطيات حسّية، لكن من يقرأ التاريخ يستطيع أن يرسم ملامح المستقبل. أليس هذا هو موضوع علم فلسفة التاريخ الذي يحاول من خلال استقراء الأحداث التاريخية وتفسيرها وتركيبها الوصول إلى نتائج أقرب إلى الواقع؟
نحن هنا نستقرئ التاريخ، وهو سيُرشدنا إلى المستقبل، بالطبع ذلك ليس حتميًا، لكنه يُعطي مؤشرات أقرب إلى الصحة، وإذا قال البعض إن ذلك غير صحيح، أو أنه ضرب من التنبؤ، فليس أقل من أنه يُمكن أخذ عبر من التاريخ كما ذكر ابن خلدون في مقدمته، وبدأ عنوان كتابه عن التاريخ بـ (العبر) .
سنستعرض تاريخ لبنان الحديث منذ الاستقلال – كما يُحب البعض أن يُطلق عليه – أي يوم انتهى عهد الانتداب (الاحتلال) الفرنسي للبنان. فقد ابتدع الوصي الفرنسي للبنان صيغة سلطة سياسية جعل على رأسها شخصية مارونية، وأعطى الموارنة أهم مواقع السلطة في لبنان. فرئيس الجمهورية حسب دستور ١٩٤٣ كان هو الآمر الناهي في كل إدارات الدولة، وكانت السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) بيده. فهو يختار الوزراء ويُعيّن رئيسًا عليهم، والسلطة التشريعية (مجلس النواب) تحت رحمته، يستطيع أن يحلّه ساعة شاء، وأعطاهم نصف عدد مقاعد مجلس النواب مع أن عددهم لا يخولهم ذلك، مع ما في ذلك من ظلم لحق بالمسلمين بهذا الأمر، وكذلك جعل قيادة الجيش مارونية، وكذا حاكمية مصرف لبنان، عدا عن المناصفة في عشرات المواقع في إدارات الدولة المختلفة.
لقد أهدى الوصي الفرنسي السلطة بكل مقدراتها إلى الموارنة في لبنان على طبق من ذهب، لكن في المقابل ماذا فعل زعماء الموارنة للحفاظ على هذا الإرث العظيم؟ منذ الرئيس كميل شمعون واستدعائه الأسطول الأمريكي لتمديد ولايته، ثم اتفاق القاهرة الذي سمح بالعمل الفلسطيني المسلح داخل الأراضي اللبنانية ووقع عليه يومها قائد الجيش إميل البستاني ورئيس الجمهورية شارل الحلو، وصولًا إلى أخذ لبنان إلى حروب داخلية مع الآخر المسلم واستدعاء الجيش السوري لدعمهم ومساندتهم ضد القوى الوطنية اللبنانية والفلسطينية، ثم الانقلاب على الجيش السوري ومحاربته، مرورًا بالحروب مع الآخر المسيحي في سياق التنافس على موقع الرئاسة اللبنانية والحكم في لبنان، كل ذلك أوجد ندوبًا في هذه السلطة الحاكمة، لكنه لم يُسقط أو ينتقص من صلاحياتها في الحكم.
الضربة القاضية باعتقادنا، كانت عندما اتخذ الموارنة من العدو الصهيوني حليفًا علنيًا لهم، واستدعوه لاحتلال لبنان، والاستقواء على أبناء بلدهم، وإقامة معاهدة سلام معه، وقد وصلت دباباته إلى العاصمة بيروت فكانت أول عاصمة عربية يحتلها العدو الصهيوني، وتمّ يومها انتخاب الرئيس بشير الجميل لرئاسة الجمهورية، لكن هذا المسار سرعان ما سقط عند أول انفجار أدى إلى مقتل الرئيس بشير الجميل، فانتهى عهده قبل أن يبدأ .
لم يتعظ الرئيس أمين الجميل بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية – تحت مرأى ومسمع الجنود الصهاينة على دباباتهم في بيروت – مما حصل مع أخيه الرئيس بشير الجميل، وقد يكون مجبرًا على ذلك، أو مطلوبًا منه تسديد دين انتخابه الذي تم تحت رعاية الاحتلال الصهيوني، فأكمل مسار التفاوض مع العدو الصهيوني في ما سُمّي باتفاق ١٧ أيار. تلك كانت سقطته الكبرى التي سيدفع الموارنة ثمنها الغالي لاحقًا. لقد عاكس الرئيس أمين الجميل التاريخ والجغرافيا، فلم يطل الزمن حتى سقط الاتفاق في مجلس النواب، وتم إلغاؤه. صحيح أنه بقي رئيسًا للجمهورية، لكن بدا واضحًا من مفاوضات لوزان وجنيف أن الذي سقط ليس اتفاق ١٧ أيار فقط، بل أيضًا منصب رئاسة الجمهورية. لقد خسر الرئيس أمين الجميل الكثير من قوته وسلطته، وأصبح عاجزًا عن ممارسة المهام الفعلية للرئاسة، وأيضًا محكومًا لتوازنات القوى الجديدة، وما إن انتهت ولايته حتى دخل لبنان في فوضى – بشّر بها المبعوث الأمريكي إلى لبنان في ذلك الحين ريتشارد مورفي – استمرت لعدة سنوات حتى وُقّع اتفاق الطائف الذي عزل رئيس الجمهورية عن كثير من صلاحياته وأوراق القوة التي كان يملكها في حكم الدولة، لصالح مجلس الوزراء مجتمعًا، وأصبح رئيس الحكومة هو المسيطر الفعلي على شؤون الدولة والحكم، واستمر مسلسل التلاعب بمقام رئاسة الجمهورية، بين تمديد مخالف للدستور، وبين تعطيل انتخابات الرئاسة لأكثر من مرة.
اليوم يرمي الرئيس جوزف عون ما تبقى من صلاحيات لمقام رئاسة الجمهورية في سوق المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني – سواء ذلك عن قصد أو عن غير قصد – والظاهر أنه لم يقرأ تاريخ لبنان الحديث، أو أن هناك من مستشاريه من يُزيّن له أنه يُمكن تكرار القيام بنفس الشيء والحصول على نتائج مختلفة، وهذا هو ضرب من الجنون كما قال ألبرت أينشتاين.
في القراءة التاريخية، هذا المسار سيؤدي حتمًا إلى اتفاق ليس بين لبنان والعدو الصهيوني، بل إلى اتفاق بين اللبنانيين على تغيير دستوري ينزع هذه الصلاحيات المتبقية من رئيس الجمهورية، هذا إذا لم ينزع فكرة أن يكون رئيس الجمهورية مارونيًا، أو على الأقل جعل هذا المنصب كما في كيان العدو منصبًا فخريًا لا صلاحيات فعلية وعملية له.
ومن باب الود والنصيحة، والحفاظ على مقام رئاسة الجمهورية اللبنانية، والتنوع والتوافق اللبناني، نتمنى على رئيس الجمهورية جوزف عون إعادة النظر بكل هذا المسار الذي لن يؤدي إلا إلى تراجع دور الموارنة خصوصًا، والمسيحيين عمومًا في سلطة الحكم في لبنان، وإلى مزيد من هجرة المسيحيين منه.



