بين نار الحرب وشبح الفتنة: لبنان أمام أخطر اختبار لوحدته (زينب إسماعيل)

زينب اسماعيل – الحوارنيوز
في ظل تصاعد الغارات واتساع رقعة المواجهة، يقف لبنان أمام معادلة خطيرة: حرب على حدوده، وانقسام داخلي يهدد بتحويلها إلى أزمة وجودية للبلاد.
لم يعد المشهد في لبنان مجرد جبهة عسكرية مشتعلة، بل أصبح صورة معقدة لحرب تتداخل فيها الجغرافيا بالسياسة، ويتقاطع فيها الصراع الخارجي مع الانقسام الداخلي. فبينما تتواصل الغارات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، يعيش اللبنانيون حالة قلق عميق، ليس فقط من القصف والدمار، بل من المسار الذي تسلكه البلاد في ظل هذا التصعيد.
في الجنوب، لا هدنة حقيقية.
القرى والبلدات التي حاول أهلها إعادة ترميم ما دمرته الحرب السابقة، عادت لتواجه موجة جديدة من الغارات. الدمار يتجدد قبل أن يلتئم، والناس الذين بقوا في قراهم يعيشون بين خيارين قاسيين: البقاء تحت الخطر أو النزوح إلى واقع اقتصادي واجتماعي أكثر قسوة.
ولم تعد الضربات محصورة في مناطق محددة. فالاتساع الجغرافي للغارات يرسل رسالة واضحة مفادها أن الحرب لم تعد مجرد اشتباك، بل محاولة لفرض معادلة ردع جديدة على كامل الجبهة اللبنانية.
المشهد في الضاحية الجنوبية لبيروت، حين خرج الأهالي إلى الطرقات بعد التهديدات الإسرائيلية، أعاد إلى الأذهان صور النزوح الجماعي التي شهدتها غزة. الخوف ذاته، والارتباك ذاته، والشعور بأن المدنيين مرة أخرى يقفون في قلب المعركة.
لكن مأساة اللبنانيين لا تقف عند حدود القصف والدمار.
فالواقع الاقتصادي المنهار جعل النزوح نفسه معركة أخرى. آلاف العائلات التي اضطرت إلى مغادرة الجنوب وجدت نفسها أمام ارتفاع كبير في الإيجارات واستغلال واضح لمعاناتها. وفي بعض الحالات، ذهبت بلديات إلى حد منع استقبال نازحين في مناطقها، في مشهد يعكس حجم التفكك الاجتماعي الذي تعيشه البلاد.
وفي موازاة ذلك، يزداد الجدل حول دور الدولة اللبنانية في إدارة هذه المرحلة. فهناك من يرى أن الدولة تبدو بعيدة عن هموم الناس في زمن الحرب، وأن أولوياتها تتجه نحو ضبط الداخل بدل التركيز على مواجهة العدوان الخارجي.
وقد زاد هذا الشعور تعقيدًا مع الإجراءات الأمنية المشددة التي ظهرت في بعض المناطق، حيث أُقيمت حواجز لتفتيش السيارات المتجهة جنوبًا، وصودرت أسلحة يمكن أن تُستخدم في مواجهة أي توغل إسرائيلي. بالنسبة إلى كثيرين، بدا المشهد وكأنه محاولة لتقييد أي قدرة على المقاومة في لحظة تتصاعد فيها المواجهة على الحدود.
كما زاد الجدل بعد قرار الدولة فتح المجال الجوي للطائرات البريطانية لقصف إيران، في وقت كانت فيه الطائرات الحربية الإسرائيلية تجول في السماء اللبنانية من دون أي رادع.
وهنا يبرز أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان: الانقسام الداخلي.
ففي بلد يقوم أساسًا على توازنات طائفية وسياسية دقيقة، يمكن لأي شعور بالاستهداف أو التهميش أن يتحول بسرعة إلى فتنة. ومع تصاعد الخطاب السياسي الحاد، واتهامات متبادلة حول المسؤولية عن الحرب وتوقيتها، يصبح خطر الانزلاق إلى صراع داخلي احتمالًا لا يمكن تجاهله.
وإذا تحولت الحرب مع إسرائيل إلى مادة لصراع داخلي بين اللبنانيين أنفسهم، فإن لبنان سيكون أمام أخطر سيناريو ممكن: حرب خارجية تترافق مع تفكك داخلي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى: هل يمكن وقف هذه الحرب؟
الحقيقة أن ما يجري على الجبهة اللبنانية مرتبط بشكل وثيق بالصراع الإقليمي الأوسع، الممتد من غزة إلى إيران مرورًا بعدة ساحات في الشرق الأوسط. لذلك، فإن إنهاء الحرب في لبنان لن يكون قرارًا لبنانيًا خالصًا.
ومع ذلك، لا يعني ذلك أن لبنان بلا خيارات.
أول هذه الخيارات هو منع الانفجار الداخلي. فمهما كانت الخلافات السياسية حول دور المقاومة أو طبيعة المواجهة مع إسرائيل، فإن تحويل هذه الخلافات إلى صراع داخلي سيكون هدية مجانية لأعداء لبنان.
الخيار الثاني هو استعادة الدولة لدورها الحقيقي، ليس فقط كسلطة أمنية، بل كضامن لوحدة المجتمع. وهذا يعني حماية النازحين من الاستغلال، ومنع الفوضى الاقتصادية والاجتماعية التي تزيد من معاناة الناس.
أما الخيار الثالث، فهو تحريك الجهد الدبلوماسي بقوة من أجل فرض وقف إطلاق نار على الجبهة اللبنانية، ضمن تسوية إقليمية أوسع تخفف من حدة المواجهة في المنطقة.
فالتاريخ في الشرق الأوسط يثبت أن الحروب لا تنتهي فقط بالقوة العسكرية، بل عندما تتغير الحسابات السياسية لدى الأطراف المتصارعة.
لبنان اليوم يقف أمام مفترق طرق خطير.
إما أن تتحول هذه الحرب إلى بوابة لانقسام داخلي يعيد البلاد إلى كوابيس الماضي،
وإما أن يدرك اللبنانيون أن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه اللحظة هو أن يخسروا وحدتهم وهم يواجهون حربًا على أرضهم.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا:
الحروب قد تُرسم في غرف السياسة والاستراتيجيا، لكن ثمنها يُدفع دائمًا في القرى المدمرة، وفي البيوت التي تُهدم، وفي وجوه الناس الذين لا يريدون أكثر من أن يعيشوا بسلام في بلد أنهكته الحروب.



