رأي

مَنْ يدفع لبنان إلى الإنفجار؟(أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

طرد السفير في القانون اللبناني يُعدّ من القرارات السيادية المرتبطة مباشرة بإدارة السياسة الخارجية للدولة، وبالتالي لا يدخل ضمن صلاحيات أي جهة منفردة.

 فاستنادًا إلى أحكام الدستور، ولا سيما المادة 65 التي تُنيط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء مجتمعًا، فإن اتخاذ قرار من هذا النوع يتم ضمن إطار قرار حكومي يصدر عن المجلس. كما أن لرئيس الجمهورية دورًا أساسيًا في هذا السياق، بحكم موقعه الدستوري في تمثيل الدولة وإدارة علاقاتها الخارجية وفق المادة 52، ما يفرض أن يتم القرار بتوافق السلطات الدستورية المختصة، بحيث يصدر عن مجلس الوزراء ويحظى بموافقة رئيس الجمهورية، ضمانًا لشرعيته الدستورية وانسجامه مع الأصول المعتمدة في إدارة الشؤون الدبلوماسية.

وفي وقتٍ يحتاج فيه لبنان إلى التقاط أنفاسه وسط أزماته المتراكمة، يبرز طرح قرار من هذا النوع وكأنه يُتخذ خارج هذا الإطار الدستوري الجامع، بما يحمله من تداعيات سياسية داخلية حساسة قد تلامس حدود توتير الساحة الوطنية. فالمسألة لا تتعلق بإجراء إداري عابر، بل بخطوة سيادية كبرى تستوجب أعلى درجات التوافق والمسؤولية. والأجدى أن تُطبّق المعايير نفسها على جميع البعثات الدبلوماسية دون استثناء، لا أن يُستحضر هذا الخيار بشكل انتقائي، فيما جرت العادة على التغاضي عن تجاوزات مماثلة من قبل سفراء دول أخرى، ما يطرح علامات استفهام حول ازدواجية المعايير في مقاربة احترام الأصول الدبلوماسية.

ويفتح ذلك الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الجهة التي تدفع نحو مثل هذه الخيارات في هذا التوقيت الدقيق: من يسعى إلى إدخال لبنان في مسار توتر إضافي، في وقت يرزح فيه تحت وطأة أزمات متراكمة، ويواجه تداعيات اعتداءات مدمّرة، فيما آلاف النازحين موزّعون على مختلف المناطق بانتظار الحد الأدنى من الاستقرار؟ وهل يحتمل الواقع اللبناني الهش خطوات غير مدروسة قد تزيد من تعقيد المشهد الداخلي بدل التخفيف من حدّته؟

كما أن العودة إلى تجارب سابقة من تاريخ لبنان تُظهر أن قرارات من هذا النوع، حين تُتخذ في مناخ سياسي متوتر ومن دون توافق وطني، قد تؤدي إلى تداعيات داخلية كبيرة تتجاوز إطارها الدبلوماسي. من هنا، يُطرح السؤال اليوم بصيغة مختلفة: هل المطلوب مزيد من التصعيد الداخلي، أم البحث عن مخارج دستورية هادئة تُجنّب البلاد اهتزازات جديدة؟ وهل يحتمل لبنان، في ظل أزماته الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، أي توترات إضافية، أم أن الأولوية يجب أن تكون لتثبيت الاستقرار ومعالجة الأوضاع القائمة ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية؟

وفي هذا السياق، تكتسب المؤشرات السياسية الأخيرة دلالات إضافية، ولا سيما اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب برئيس الجمهورية في القصر الجمهوري، وما أعقبه من تصريحات حملت طابع الطمأنة حيال استقرار الوضع العام والوحدة الوطنية لمواحهة الاخطار الاسرائيلية. كما أن صدور مواقف رافضة لهذا الطرح من شخصيات ومرجعيات دينية وسياسية وازنة، ومن قوى تمثّل شريحة واسعة من اللبنانيين، يسلّط الضوء على حجم الانقسام الذي يمكن أن يثيره مثل هذا القرار في حال طُرح خارج إطار التوافق الوطني.

ومن هنا يُطرح التساؤل الجوهري: هل يجوز الإقدام على خطوة بهذا الحجم من دون مراعاة هذا الواقع الداخلي المتعدد، ومن دون المرور بالقنوات الدستورية التي تضمن مشاركة السلطة التنفيذية مجتمعة في اتخاذ القرار؟ أم أن المصلحة الوطنية تقتضي مقاربة أكثر توازنًا، تُراعي حساسية المرحلة وتجنّب البلاد مزيدًا من التوتر والانقسام؟

وهل المطلوب في هذا الوقت القيام ب ٦ شباط ثانية؟

على من اتخذ القرار أن يلتفت إلى أنه لن يبقى في كرسيه إلى أبد الآبدين وأن اللعنة ستلحقه إلى آخر عمره وياخذها معه إلى قبره.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى