رأي

مشهدية صراع المحاور وهشاشة الردع (أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

يشير السفير اللبناني الأسبق في واشنطن غابرييل عيسى إلى أن التمديد الراهن ما هو إلا محاولة مدروسة لكسب الوقت بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي تدير فعليا دفة الأحداث الإقليمية، مؤكدا أن الشعارات التي ترفع اليوم حول السيادة أو فصل المسارات اللبنانية عن المحيط ليست سوى أوهام تهدف لتغطية واقع مرير، حيث يظهر وقف إطلاق النار في إيران كخطوة جادة ومجدية، بينما يتحول في لبنان إلى مجرد غطاء لتبرير استمرار عمليات التدمير الممنهجة التي يدفع اللبنانيون ثمنها الباهظ وسط قبول ضمني من طرفي التفاوض الدوليين.

وفي هذا الإطار تبرز قراءات سياسية معمقة حول تحرك سعودي وعربي لافت يهدف إلى احتواء تداعيات الحرب المفتوحة وحماية لبنان من خطر الانزلاق نحو انفجار داخلي وشيك، إذ تحاول المملكة العربية السعودية (بعد تمنعها مرارا) من خلال هذا الحراك تعزيز بنية الدولة وتحصين مؤسساتها في وجه الضغوط المتصاعدة، وضمان عدم وقوع البلاد بالكامل في فلك محور واحد، وهو ما يعكس رغبة عربية متجددة في استعادة المبادرة في الملف اللبناني والحيلولة دون تحوله إلى ساحة لحرب أهلية جديدة تأكل الأخضر واليابس.

تتركز المواجهة الاستراتيجية الكبرى اليوم حول تموضع لبنان في النظام الإقليمي الجديد الذي يجري تشكيله وإعادة رسم ملامحه، حيث تحاول إسرائيل بمساندة أمريكية مطلقة سحب لبنان من المحور الإيراني ودمجه قسريا في منظومة إقليمية تهيمن هي عليها، وهو توجه يصطدم بمعارضة شعبية واسعة ورفض قاطع لمشاريع التطبيع، ومن هنا ينطلق التحرك العربي لمحاولة إعادة لبنان إلى وضع الدولة المتوازنة عبر طرح العودة إلى اتفاق الطائف كمدخل وحيد للحل، رغم كل التحديات المتعلقة بحصر السلاح وإلغاء الطائفية السياسية والمخاوف من أن تأتي التسوية القادمة على حساب أطراف لبنانية معينة.

أما على الساحة الميدانية فقد بدأت الحقائق تتضح بجلاء أمام الرأي العام الإسرائيلي مع اعترافات إذاعة جيش الاحتلال التي ناقضت وعود القادة حول تغيير الواقع ومنع عودة السكان، فالمعطيات تظهر استمرار هجمات حزب الله النوعية بالمسيرات والصواريخ وعودة أهالي جنوب الليطاني إلى قراهم رغم كل التهديدات، كما تعكس صرخات رؤساء مستوطنات الشمال حالة من الإحباط الوجودي جراء الفشل في تحويل تدمير القرى اللبنانية إلى أمن حقيقي، ما يثبت أن القوة العسكرية وحدها لم تنجح في تغيير معادلة الأرض.

وفيما يخص احتمالات التصعيد الشامل فإن الجميع يتحدث اليوم عن الضربة الأولى لكن لا أحد يتساءل عن طبيعة الضربة الثانية وتأثيراتها، حيث تؤكد العقيدة العسكرية الإيرانية أن الرد سيكون من حيث لا يتوقع العدو وبأساليب غير تقليدية، وبما أن القواعد الأمريكية والمدن الإسرائيلية أصبحت فعليا تحت مرمى الصواريخ الدقيقة والمسيرات، فإن السؤال الحقيقي يكمن في مدى قدرة الجبهة المقابلة على تحمل الكلفة الهائلة للرد الإيراني المحتوم الذي لم يعد مجرد تهديد بل خريطة ردع جديدة مرسومة بالنار.

تجد العواصم العربية نفسها اليوم بين المطرقة والسندان، فاندلاع مواجهة كبرى سيهدد مباشرة أبراج النفط والموانئ الحيوية، وليس من مصلحة أي دولة أن تتحول أراضيها إلى منصة انطلاق لحرب مدمرة تدفع ثمنها شعوب المنطقة أولا، ما يتطلب تحركا عربيا عاجلا لمنع الكارثة قبل وقوعها، خاصة وأن القيادة في طهران أعلنت بوضوح أن أي مصدر لإطلاق النيران من أي مكان سيتم الرد عليه مباشرة وبقوة، ما يعني أن الحرب القادمة لن تكون محدودة بل ستشمل الجميع من دون استثناء.

يبقى الوعي الشعبي هو الصمام الحقيقي للأمان والسلاح الأقوى في هذه المواجهة المصيرية، فمحور المقاومة اليوم يتجاوز كونه فصيلا عسكريا ليصبح فكرة راسخة تقوم على أن أمن العواصم من طهران إلى بغداد وبيروت وصنعاء هو كل لا يتجزأ، ومحاولة تفكيك هذه الفكرة هي الهدف الأول للعدو، لذا فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الوطنيين والعروبيين والمؤمنين بلبنان القوي في ضرورة الانتباه والحذر كي لا ينزلقوا لأي مطبات أو مهاترات داخلية مهما كانت الأسباب لأن العدو يتربص بالجميع. إن الهدوء الحالي ليس سلاما مستداما بل هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وتوازن الردع القائم هو الخيط الوحيد الذي يمنع المنطقة حتى الآن من السقوط النهائي في الهاوية، ما يستوجب الحذر واليقظة لمواجهة القادم من الأيام التي ستحمل معها ملامح الشرق الأوسط الجديد فعليا.

وبمجرد انتهاء هذه الجولة المكثفة من الصراع ستظهر ملامح أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة نتيجة خروج أسعار النفط عن السيطرة وانهيار سلاسل الإمداد الدولية، وعندها قد يفقد ترامب ونتنياهو ما تبقى من دعم داخلي وخارجي، ويواجهان اتهامات مباشرة بالمسؤولية عن تدمير الاقتصاد العالمي وإدخال المنطقة في فوضى غير مدروسة النتائج، ما قد ينتهي بمحاكمات سياسية كبرى تطيح بمشاريع الهيمنة وتؤسس لتوازن قوى مختلف كليا يقوم على أنقاض المغامرات العسكرية الفاشلة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى