صك الانتداب الجديد: هل وقّعت السلطة اللبنانية وثيقة انتحارها؟(أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
يكشف النص المسرب لما سمي اتفاقا بين السلطة اللبنانية وكيان العدو، برعاية اميركية، عن منعطف وجودي يتجاوز مفاهيم الدبلوماسية التقليدية او ترتيبات وقف اطلاق النار المعتادة. فنحن لسنا امام ورقة تقنية لتنظيم الحدود او فض الاشتباك، بل امام وثيقة سياسية وامنية تمثل في جوهرها صك انتداب جديد، وصياغة معلنة لتحالف ذيلي يراد له ان يربط القرار الرسمي اللبناني بمصالح منظومة الابادة الصهيونية.
ان الخطورة الكامنة في هذه الورقة لا تكمن فقط في بنودها المعلنة، بل في الروح الانكسارية التي صيغت بها، وفي المحاولة الاميركية الخبيثة لتحويل الدولة اللبنانية من حامية للسيادة الى وكيل امني للاحتلال ضد شعبها ومقاومتها.
لقد استندت السياسة الرسمية اللبنانية منذ اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 الماضي الى منهجية التعمية الممنهجة، وهي سياسة كلفت اللبنانيين انهارا من الدم ودمارا واسعا وتهجيرا لم يتوقف، واليوم تأتي هذه المسودة لتضع النقاط على الحروف في مشروع تصفية القضية الوطنية. فالبند الذي يمنح اسرائيل الحق المطلق في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس في اي وقت، وضد هجمات توصف بأنها وشيكة او جارية، هو في الحقيقة تفويض مفتوح بالقتل. فالمصطلح الذي تستخدمه تل ابيب للدفاع عن النفس هو المظلة القانونية والسياسية التي نفذت تحتها ابشع المجازر في غزة على مدار السنوات الثلاث الماضية، وهو ذاته المنطق الذي يسفك دم اللبنانيين اليوم.
ان قبول اي جهة لبنانية بهذا البند يعني ببساطة تسليم مفاتيح السماء والارض والمنازل لجيش الاحتلال، ليقرر هو وحده متى يضرب واين يقتل، دون ان يقيد هذا الحق بوقف الاعمال العدائية.
ان هذا الاتفاق المهرب يحاول بوضوح الالتفاف على مسارات القوة الحقيقية التي يمتلكها لبنان، وعلى رأسها مسار اسلام آباد الذي يشكل رافعة سياسية واقليمية لتحصيل الحقوق اللبنانية بعيدا عن الاملاءات الأميركية. فالعدو الاميركي والاسرائيلي يدركان تماما عجز القوة العسكرية المحضة عن كسر ارادة المجتمع اللبناني، ولذلك يلجآن اليوم الى هندسة واقع سياسي يفرغ هذا المسار من محتواه، ويحول السلطة اللبنانية الى اداة لقمع الداخل بدلا من حمايته. ومن هنا يبرز الاعتراف في نص الاتفاق بأن القوى الامنية اللبنانية هي المسؤول الحصري عن السيادة كفخ يراد به تجريد لبنان من عناصر قوته الشعبية والمقاومة، ووضع الجيش والقوى الامنية في مواجهة مباشرة مع بيئتهم الوطنية خدمة لأمن المستوطنات.
يجب ان تدرك السلطة اللبنانية، وتحديدا تلك الاجزاء التي فاوضت على هذه الورقة، ان لبنان ليس مستعمرة اسرائيلية ولن يكون، وان محاولة بناء تحالف امني مع كيان يمارس الإبادة الجماعية هو انتحار سياسي واخلاقي، فالمقاومة التي تستند الى شرعيتها الميدانية واحتضانها المجتمعي والسياسي غير معنية بهذه الاوراق التي ولدت ميتة في الغرف المظلمة، وسيكون الرد على كل عدوان هو القاعدة الثابتة التي لن تغيرها نصوص كتبت بحبر اميركي، اننا نطالب الحكومة اللبنانية، واولئك الذين يشاركون في تهريب هذه التفاهمات، بالخروج الى العلن ومصارحة اللبنانيين بحقيقة ما تم الاتفاق عليه، فسياسة الغموض لم تعد تجدي نفعا امام اشلاء الاطفال وركام القرى.
ان السلطة اليوم تقف امام مفترق طرق تاريخي، فإما ان تختار الانحياز الى منطق الدولة القوية التي تحصن جبهتها الداخلية وتفاوض من منطلق الند والتمسك بالحقوق، مستندة الى فائض القوة الميداني والسياسي، واما ان تسقط في فخ التحالف الذيلي مع كيان العدو لتتحول الى سلطة عميلة تدير شؤون المحتل في ارضنا، وهذا الخيار الاخير هو وصفة للحرب الاهلية والدمار الشامل الذي يخطط له الاميركي، ان الرهان اليوم هو على وعي اللبنانيين وقدرتهم على اسقاط هذا المشروع في مده الأول، والتمسك بمسار اسلام اباد كبديل وطني واقليمي يحفظ الكرامة والسيادة، ويمنع تحويل لبنان الى مجرد حديقة خلفية لامن العدو الصهيوني، فالسيادة لا تمنح بقرارات دولية منحازة، بل تفرض بقوة الحق وارادة المواجهة على الارض.
اخيرا وليس آخر، بنيامين نتنياهو مجرم حرب مطلوب للجنائية الدولية فهل ستوضع اليد بيده؟



