رأي

المفاوض الإيراني : من معاهدات أرضروم إلى مضيق “أبو الحياة” ( أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

بعد ساعات قليلة من انتهاء جولة المفاوضات بين ممثلي الجمهورية الإسلامية في إيران وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية في باكستان، والتي قيل أنها لم تتوصل إلى اتفاق حول كثير من النقاط، وأنها كانت صعبة للغاية، خصوصًا مع رفض الفريق الإيراني تقديم أي تنازلات تمس بإقتدار إيران، وصون حرية قراراتها، وحفظ سيادتها،

وقبل عودة الوفد الإيراني من باكستان، جاء تصريح مستشار قائد الجمهورية الإسلامية للشؤون الدولية السيد علي أكبر ولايتي ليضع النقاط على الحروف، ويُعلن لكل المراهنين على فرض شروطهم على إيران، أن تاريخها وحضارتها عبر القرون وليس السنوات، مفعم بالكثير من العزة والكرامة، وأن دبلوماسيتها لم تتراجع عن صون إيران، بل أكثر من ذلك كان المعتدون على إيران يرضخون لشروطها، ويلبّون مطالبهاّ ويسلّمون بحقوقها السياسية والديمغرافية والجغرافية.

تصريح السيد ولايتي، وهو المُقل في التصريحات، والذي يحلو للإيرانيين أن يدعونه بمؤسس السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، فهو وزير الخارجية من ١٩٨١-١٩٩٧ أي في أصعب مرحلة من مراحل الثورة الإسلامية والتي لم تكن قد استقرت كدولة إسلامية وكنظام حكم في إيران، وكان عليه أن يثبت للعالم ان هذه الثورة الفتية التي تتخذ من الإسلام دين للدولة قادرة على إثبات نفسها على الساحة الدولية، وتستطيع أن تقدم نموذجًا مستقلًا عن المحورين الحاكمين في ذلك الوقت وهما المحور الشرقي بقيادة الإتحاد السوفياتي والمحور الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الواقع فقد استطاع ولايتي القيام بذلك وخطّ نهجًا مستقلًا بعيدًا عن هذين المحورين وتجاذباتهما، وهو قاد مفاوضات صعبة مع الغرب وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة خلال وبعد حرب صدام حسين الظالمة عليها والتي استمرت لثماني سنوات، وقف العالم كله ضد إيران ودعم صدام بمختلف الأسلحة والصواريخ والطائرات، ومما قاله ولايتي: إن تاريخ الدبلوماسية الإيرانية من أرضروم إلى مفاوضات إسلام آباد يقوم على مبدأ واحد: “صون إيران العزيزة. وإن مفتاح “مضيق هرمز” اليوم أيضاً في أيدينا المقتدرة، كما كان “مضيق أبو الحياة” عبر التاريخ رمزاً لصدّ الغرباء في قلب أراضينا.

الملفت في الحديث أنه إختصر تاريخ المفاوضات والمعاهدات التي خاضتها إيران بكلمتين ( أرضروم، ومضيق أبو الحياة)، وقد قصد من ذلك أن من أراد فهم الدبلوماسية الإيرانية وطرائق تفاوضها، عليه أن يعود إلى تاريخ إيران خصوصًا ما خص معاهدتي أرضروم الأولى والثانية، ومضيق الحياة الذي حافظت إيران عبر القرون والسنوات عليه، وأمنت العبور فيه تحت رعايتها وسطوتها.

فما هي معاهدة أرضروم والتي حصلت مرتين بين الدولة القاجارية في إيران والدولة العثمانية؟

المعاهدة الأولى حدثت في العام ١٨٢٣، والثانية في العام ١٨٤٧، وبالتأكيد يقصد السيد علي أكبر ولايتي المعاهدة الثانية التي استمرّ التفاوض عليها لشهور عديدة، انتهت بمعاهدة من مجموعة بنود أعطت البنود الثلاثة الأولى لإيران السيطرة النهائية على الأقاليم الجنوبية التي أصبحت جزءًا من أراضيها من ذلك الوقت، وعلى معظم الجزر في الخليج الفارسي، فيما أكد البند الخامس على إعادة الدولة العثمانية أموال التجار الإيرانيين التي حجزت في إسطنبول والولايات العثمانية الأخرى إلى أصحابها،  وفي ذلك إشارة من السيد ولايتي أنه لا تنازل عن حقوق إيران المالية المجمدة في الغرب، وأشدّ من ذلك ما جاء في البند السادس، أنه يحصل الوارث الإيراني على التركات التي يُخلفها الإيرانيون المتوفون في البلاد العثمانية، مما يدل على مدى تشدد المفاوض الإيراني في تحصيل حقوقه ولو بعد حين، أما الخاتمة فقد أشارت بالنص إلى تعويض الخسائر والمصاريف الحربية وغيرها لإيران، وهو تأكيد منه على مطالبة مفاوضي الجمهورية الإسلامية بالتعويضات، ليس فقط عن الدمار والخسائر المدنية، بل والعسكرية منها، هذا في معاهدة أرضروم .

أما في موضوع مضيق هرمز والذي اسماه السيد علي أكبر ولايتي ب”أبي الحياة”، فهو إشارة إلى أهمية هذا المضيق، والذي يعتقد الإيرانيون أن اسمه مشتق من إسم إله الزرادشتيين (أهورا مزدا)، وأن هذا الإسم أُطلق أولًا على مملكة هرمز المزدهرة في القرن العاشر الميلادي، والتي كان مصدر تفوقها ورخائها ورفاهها هو سيطرتها على هذا المضيق الذي كان جزءًا من أراضيها لعقود من الزمن، واليوم يُعيد الدكتور علي أكبر ولايتي التذكير والتأكيد إلى أن هذا المضيق هو أبو الحياة، ليس فقط لإيران، بل للعالم أجمع. إن هذا المصطلح الذي ذكره يُريد أن يؤكد من خلاله أن إيران لن تتراجع عن إدارتها لهذا المضيق، وأنها كانت تنتظر الفرصة المناسبة لإعلان سيطرتها عليه، واليوم أتتها هذه الفرصة على طبق من غباء ترامب ونتنياهو.

أما ما ذكره عن أن المفاوض الإيراني هدفه صون إيران العزيزة، فهو بالتأكيد إشارة إلى عزّة إيران النفسية التي لا تكون إلا بإقتدارها، هذا الاقتدارالذي جعلها تُحافظ على نقاط قوتها، خصوصًا ما يتعلق منه بالتطور العلمي والتكنولوجي، ومنه مشروع التخصيب النووي وعدم التفريط به تحت أي مغريات مالية أو رفع عقوبات إقتصادية.

الدكتور على أكبر ولايتي وبكلماته المقتضبة، وضع محددات التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، وما هو غير قابل للتنازل مهما تضاعفت الضغوطات سواء منها العسكرية أو الاقتصادية، وهي دعوة منه لقراءة تاريخ إيران العظيم في التصدي للمعتدين، ومقاومة كل أشكال الهيمنة والتسلط، وتدفيع كل معتدي ثمن مغامراته وعدوانيته.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى