رأي

سقوط الوهم: من السماء المخترَقة إلى الأرض المستعصية(زينب إسماعيل)

 

زينب اسماعيل – الحوارنيوز

 

ما لم تستطع الصواريخ إخفاءه في السماء… فضحته المواجهات على الأرض، وكشفه الإعلام من داخل إسرائيل نفسها.

 

منذ بداية المواجهة بين إيران وإسرائيل، لم تكن المعركة عسكرية فقط، بل كانت أيضًا معركة رواية.

إسرائيل، التي بنت جزءًا كبيرًا من قوتها على “الصورة”، لم تكن تكتفي بالرد عسكريًا، بل كانت تدير بعناية ما يُقال وما لا يُقال. لسنوات، نجحت في تقليص حجم الخسائر في الإعلام، وضبط التسريبات، وتقديم مشهد واحد متماسك: نحن نضرب، نحن ننتصر، ونحن نحمي أنفسنا.

حتى في أصعب الجولات، كان هناك دائمًا “سقف” لما يُكشف.

لكن هذا السقف… بدأ يتصدّع.

اليوم، لم تعد إسرائيل قادرة على إخفاء ما يحدث كما في السابق. ليس لأنّها لا تريد… بل لأنّها لم تعد تستطيع. حجم الضربات، طبيعتها، واتساع رقعتها، كلّها عوامل تجعل من التعتيم مهمة شبه مستحيلة.

الصواريخ الإيرانية لم تعد تمرّ في الظل.

وللمرة الأولى بهذا الوضوح، تظهر في الإعلام—حتى الإسرائيلي منه—صور لم يكن يُسمح بظهورها سابقًا: مواقع أُصيبت، أضرار مباشرة، ارتباك داخل الجبهة الداخلية، وأسئلة تُطرح علنًا حول فعالية منظومات الدفاع.

هنا تحديدًا… تسقط الرواية.

لأن القبة الحديدية لم تعد “قصة نجاح مطلقة”، بل نظام يُختبر تحت ضغط غير مسبوق. يعترض… نعم. لكنه يفشل أيضًا. وهذه “أيضًا” هي ما كانت إسرائيل تحاول دائمًا إخفاءه.

إيران، باستخدام صواريخ باليستية متطورة بقدرات مناورة وسرعات عالية، لم تضرب فقط أهدافًا… بل ضربت قدرة إسرائيل على التحكّم بالرواية. الرسالة لم تعد عسكرية فقط، بل إعلامية ونفسية:

“ما يحدث عندكم… سيُرى”.

وهذا ما يحصل الآن.

التقارير العبرية، التي كانت تُصاغ بحذر شديد، بدأت تكشف أكثر. ليس بدافع الشفافية، بل تحت ضغط الواقع. حين تتكرر الضربات، ويعيش الناس التجربة مباشرة، يصبح الإنكار نفسه عبئًا لا يمكن احتماله.

لكن الانكشاف لا يتوقف عند السماء.

في المواجهات البرّية، يتكرّس المشهد نفسه. في بلدات مثل الطيبة والخيام، لا يوجد انتصار سريع يمكن تصويره، ولا تقدم حاسم يمكن تسويقه. هناك قتال صعب، استنزاف مستمر، ومقاومة لا تنهار.

وهذا النوع من الحروب لا يضعف فقط الأداء العسكري… بل يفضح الرواية.

لأن الجيش الذي اعتاد أن يظهر بصورة “الحسم السريع”، يجد نفسه اليوم في معارك طويلة، مكلفة، ومفتوحة على احتمالات غير محسومة. وكل يوم يمرّ دون إنجاز واضح، هو خسارة إضافية—ليس فقط ميدانيًا، بل معنويًا وإعلاميًا.

وهنا تلتقي كل الجبهات:

سماء لا يمكن إخفاء اختراقها،

وأرض لا يمكن حسمها،

وإعلام- حتى من الداخل- لم يعد قادرًا على التغطية.

ما يحدث اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري.

إنه سقوط تدريجي لمنظومة كاملة: منظومة الردع، ومنظومة السيطرة، ومنظومة الرواية.

السؤال لم يعد: ماذا تخفي إسرائيل؟

السؤال أصبح: ماذا بقي يمكن إخفاؤه أصلًا؟

ما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد جولة تصعيد، بل لحظة تحوّل في ميزان الردع… حيث لم تعد السماء حكرًا على طرف واحد، ولم تعد التكنولوجيا ضمانة كافية للحماية.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى