
الحوارنيوز – دراما رمضان
خصصت صحيفة الأخبار في عددها الصادر اليوم ملفا واسعا عن الدراما الرمضانية تناول العروض الدرامية في الشهر الكريم الذي يبدأ الأسبوع المقبل.
زكية الديراني كتبت عن الدراما اللبنانية تقول:
«الدراما اللبنانية تتنفّس». عبارة تختصر حال المسلسلات اللبنانية التي تعود إلى المنافسة في رمضان 2026 بعد غياب سنوات، على إثر الأزمتين الاقتصادية والسياسية اللتين ضربتا البلاد.
انعكست الأزمات سلباً على صناعة الدراما المحلية، وألغت حضورها من السباق في شهر الصوم وخارجه. حتى باتت مشاهدة مسلسل لبناني أشبه بعملة نادرة. أحدث غياب هذه الدراما فراغاً في برمجة الشاشات المحلية، ملأته المشاريع السورية والمشتركة أو تلك المعرّبة.
لكن هذا العام، تبدو بوادر الأمل أقوى بعودة المشاريع المحلية إلى الساحة طوال أيام السنة. لكن يبقى الأمر رهن قرارات شركات الإنتاج التي لا تزال ترى في الأعمال اللبنانية مشاريع غير قابلة للتسويق خارجياً.
ثلاثة مسلسلات لبنانية
هذا العام، تأخذ الدراما اللبنانية نفساً عميقاً لتعود إلى الحضور، وإن كان خجولاً. يشارك في السباق ثلاثة مسلسلات لبنانية دفعة واحدة هي: «بالحرام» (تأليف فادي حسين وشادي كيوان، وإخراج فيليب أسمر، وإنتاج شركة «إيغل فيلمز» ـــ mtv و«شاهد mbc»)، و«سر وقدر» (كتابة فيفيان أنطونيوس، وإخراج كارولين ميلان، وإنتاج «فينيكس بيكتشرز إنترناشيونال» ــــ lbci)، و«المحافظة 15» (تأليف كارين رزق الله، وإخراج سمير حبشي، وإنتاج «مروى غروب» ــــ mtv و lbc و«روتانا دراما»). ثلاثة مشاريع مختلفة من ناحية المضمون والقضايا التي تعالجها، ولكل عمل ظروفه التي أدت إلى مشاركته في السباق.

■ «المحافظة 15» يفتح باب سجن صيدنايا
البداية مع مسلسل «المحافظة 15» (كتابة كارين رزق الله، وإخراج سمير حبشي، وإنتاج «مروى غروب»/ «روتانا دراما» ـــ mtv وLBCI)، الذي يعيد كارين رزق الله إلى السباق الرمضاني، ويشاركها البطولة يورغو شلهوب في عمل لبناني اجتماعي. فرضت قصة العمل مشاركة ممثلين سوريين، لأنها تتناول قضية مشتركة بين البلدين، تختلط فيها المواقف الإنسانية والاجتماعية.
يفتح «المحافظة 15» ملف الموقوفين اللبنانيين في سوريا، وتنطلق حلقاته مع إطلاق السجناء من سجن صيدنايا على إثر سقوط نظام بشار الأسد. عندذاك، تُفتح الجراح على قضية شابين عاشا سنوات تحت سقف السجن، هما اللبناني فؤاد (يورغو شلهوب) والسوري خالد (الممثل السوري حسين خليل)، اللذان يخرجان للبحث عن أهلهما. يفاجأ خالد بأن عائلته باتت لاجئة في لبنان مع اندلاع الثورة السورية، بينما يصل فؤاد إلى لبنان ليجد بلده قد انقلب رأساً على عقب. أما كارين رزق الله فتؤدي دوراً رئيسياً بشخصية مونيا، وتحمل الكثير من المفاجآت.

يتألف «المحافظة 15» من ثلاثين حلقة، ويضم على قائمة أبطاله مجموعة من الممثلين السوريين، من بينهم عدنان أبو الشامات، وسوناتا سكاف، وسوسن أبو عفار، وطارق مرعشلي وغيرهم. ويأتي العمل ليعيد شركة «مروى غروب» إلى السباق الرمضاني بعد غياب ثلاث سنوات، على إثر الحرب التي شنّها العدو الإسرائيلي على لبنان وتداعيات الأزمة الاقتصادية.
ويتردّد أن حداد يتفاوض مع قنوات لبنانية لعرض مسلسل «بهو الست لميا» (إخراج مكرم الريّس وكتابة داليا الحدّاد) ضمن السباق الرمضاني أو خارجه. وقد صُوّر المسلسل قبل نحو عامين، ويضم ممثلين لبنانيين من بينهم رولا شامية ونعيم حلاوي وجو صادر ونور غندور، وهو عمل رومانسي كوميدي.

■ «بالحرام»… هل يُنجح هذا الموسم؟
ليس جديداً على شركة «إيغل فيلمز» التي يديرها جمال سنان تقديم مسلسل لبناني في رمضان. إذ تتبع الشركة خطة واضحة لشهر الصوم، حيث تحرص على إنتاج مسلسل لبناني واحد، وهذا العام، تشارك بمسلسل «بالحرام».
ما يميّز العمل أن كاتبه فقط سوري، بينما مخرجه وأبطاله لبنانيون، من دون أي حضور لممثلين سوريين. ويُعدّ العمل امتداداً لنهج الشركة في دعم الدراما اللبنانية وإعادة تنشيط حضور الممثلين اللبنانيين في السباق الرمضاني. يفتح «بالحرام» عدداً من القضايا الاجتماعية الحساسة مثل التحرش والاغتصاب والفقر.
ويتناول قصة فتاة تُدعى جود (ماغي بوغصن) تدور في دوامة الماضي والحاضر والمستقبل. ويجمع العمل عمار شلق، وبديع أبو شقرا، وكارول عبود، وتقلا شمعون وغيرهم. يتألف المسلسل من ثلاثين حلقة، ومن المتوقع أن يثير ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب القضايا التي يطرحها.

■ تحيّة لفادي إبراهيم
تأتي مشاركة «سر وقدر» كمبادرة لافتة بعدما تأجّل عرضه أكثر من ثلاث سنوات، على إثر الحرب الإسرائيلية على لبنان. المسلسل لبناني محض، يعدّ العمل الأخير الذي أدّى بطولته الممثل اللبناني الراحل فادي إبراهيم (1956 ــ 2024). فرغم مرضه خلال تصوير العمل، أصرّ إبراهيم على مواصلة مشاهده، ليكون المشروع أشبه بخاتمة لمسيرة طويلة لنجم كان من أبرز وجوه الدراما في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية. يعالج «سر وقدر» مواضيع اجتماعية مثل الخيانة وقضايا الحب.
باختصار، تخوض الدراما اللبنانية المنافسة في رمضان بثلاثة مشاريع موزعة على الشاشات المحلية والعربية، لتكون الصناعة أمام امتحان حاسم: إما أن تستعيد وهجها السابق، أو تتراجع خطوةً إلى الوراء.
الدراما السورية تخرج إلى الحرية؟
وتحت هذا العنوان كتبت لين أبو زينة في الأخبار:

تشارك في «سعادة المجنون» سلافة معمار وعابد فهد وباسم ياخور
تخرج الدراما السورية هذا العام من العتمة إلى مواجهة «جنون السلطة» برعاية إنتاجية خليجية ضخمة. بين زنازين «صيدنايا»، وأحداث «حماة» التاريخية، وكواليس الفساد في «سعادة المجنون»، تُعرّي المسلسلات عقوداً من القمع والتحولات الطبقية. فهل نحن أمام ولادة إبداع حرّ، أم صياغة جديدة للذاكرة السورية تحت نوع جديد من الرقابة؟
ستروي الدراما السورية في رمضان 2026 حكايات دائماً ما بقيت في العتمة في ظلّ النظام السابق. رغم تنوّع الأعمال المرتقبة بين الاجتماعي والكوميدي والبيئة الشامية، إلا أنّ القضايا السياسية هي التي تستحوذ على اهتمام شركات الإنتاج التي سعت إلى تقديم مقاربة اجتماعية وسياسية تعرّي «جنون السلطة».

- من مسلسل «الخروج إلى البئر»
يتوازى ذلك مع انتقال مراكز الإنتاج الرئيسية إلى الخليج، ما جعل الدراما السورية تتقيّد بسياسات تلك الشركات بهدف ضمان الانتشار الفني بأساليب تتعلق بالنفوذ والهيمنة السياسية. وهو ما سنراه جلياً في إنتاج أعمال تطرق أبواب الماضي السياسي بأعمال ستنال عبرها شركة «ميتافورا» (القطرية) حصة الأسد.
«الخروج إلى» صيدنايا
يعدّ «الخروج إلى البئر» (تأليف سامر رضوان ــ إخراج محمد لطفي ــ إنتاج «ميتافورا» ــ قناة «العربي2» و«العربي بلس» وتلفزيون سوريا الثانية) من أبرز الأعمال المُرتقبة في رمضان 2026، نظراً إلى ضخامته الإنتاجية ومشاركة نخبة من نجوم الوطن العربي. ينتمي العمل إلى الدراما التشويقية التوثيقية، إذ يتناول سلسلة وقائع بعضها مستلهم من قصص حقيقية، أبرزها استعصاء سجن صيدنايا عام 2008، وهي المدة التي شهدت سيطرة السجناء على سجن صيدنايا، وما تبع ذلك من مفاوضات معقدة، ودخول التيارات السياسية على خط الأحداث، وانعكاس ذلك على العلاقة المتوترة مع النظام الأمني.
يحمل المسلسل توقيع الكاتب السوري سامر رضوان، فيما يتولى الإخراج الأردني محمد لطفي، الذي تنقلت كاميرته بين لبنان والعراق. ويؤدي الممثل جمال سليمان شخصية السجين «سلطان الغالب» الذي يتولى مهمة التفاوض مع القوات الأمنية داخل سجن صيدنايا، واضعاً القضايا الاجتماعية والإنسانية للسجناء في صميم هذه المفاوضات. دور مركّب يعكس صراع الإنسان مع القمع والظروف القاسية التي تحيط به.
إلى جانب سليمان، يضم العمل عدداً كبيراً من أبرز الفنانين العرب، من بينهم نضال نجم، وكارمن لبس، وواحة الراهب، وعبد الرحمن قويدر، ونانسي خوري، وجفرا يونس.

«السوريون الأعداء» في حماة
ينتمي «السوريون الأعداء» (مقتبس عن رواية بالعنوان نفسه للروائي السوري فواز حداد ــ صياغة السيناريو للكاتب الكبير نجيب نصير ورافي وهبي ــ إخراج الليث حجو ــ إنتاج «ميتافورا» ــ قناة «العربي2» و«العربي بلس» وتلفزيون سوريا الثانية) إلى فئة الدراما السياسية الاجتماعية.
تدور أحداثه بدايةً في أزقة مدينة حماة القديمة، التي شهدت إبان حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد في عام 1982، محاولات دخول نظام «البعث» وبسط نفوذه بقبضة فولاذية أدت إلى أحداث دامية في المدينة.
وبإصرار على استكمال العمل، حسمت شركة «ميتافورا» المنتجة للمسلسل الجدل المثار حول مصيره، بعد تداول أنباء عن خروجه من سباق دراما رمضان 2026، بالتزامن مع استمرار عمليات التصوير في أكثر من محافظة سورية. وشددت الشركة على أنّ العمل ما يزال مدرجاً ضمن خريطة رمضان 2026. علماً أنّه يشارك في بطولته: بسام كوسا، وسلوم حداد، ويارا صبري، وفادي صبيح، وروزينا لاذقاني…
في كواليس السلطة والارتقاء الطبقي
تدور أحداث «عيلة الملك» حول تاجر دمشقي يدعى «جبري الملك» يحقق صعوداً مفاجئاً في المجتمع بعد ارتباطه بسيدة نافذة على حساب عائلته الفقيرة. ومع الوقت، يجد نفسه محاصراً بين ماضيه وعلاقاته التي تخضع لرقابة الأجهزة الأمنية، حيث تتطور الأحداث نحو لحظة مفصلية في تاريخ سوريا. وعبر هذه الشخصية، يستعرض العمل الصعود الطبقي عبر النفوذ السياسي، والتحولات الاجتماعية التي تخللت سنوات ما قبل الحرب.
يستند «سعادة المجنون» إلى الأحداث التي وقعت في الفترة الممتدة بين عامَي 2022 و2024
كما يتطرق إلى بيئة العشوائيات والطبقة الراقية في دمشق، في المرحلة التي سبقت انهيار نظام الرئيس السوري بشار الأسد بأشهر، ويرصد الصراع على المال والسلطة، إلى جانب قصة حب تجمع بين معتقلة سابقة في سجون «البعث» وبطل شعبي يدخل في مواجهة مع شقيقه واسع النفوذ.
واعتمد العمل على ورشة كتابة (شادي كيوان، معن سقباني، وميادة إبراهيم) تحت إشراف المخرج محمد عبد العزيز، ومن إنتاج شركة «قبنض»، ويضمّ مجموعة كبيرة من الفنانين السوريين، من بينهم: سلوم حداد، شكران مرتجى، سلمى المصري، نادين خوري، تيسير إدريس، ديمة بياعة، لجين إسماعيل، جوان خضر، طلال مارديني، فاديا خطاب، صفاء سلطان، ولاء عزام، مديحة كنيفاتي، رنا ريشة، لينا دياب، ورد عجيب، هدى الشعراوي، وتيم عزيز، إلى جانب عدد من الوجوه الفنية الأخرى، وسيعرض على قناة «الظفرة»، ومنصة viu دبي.
شبكات فساد وتهريب
يستند «سعادة المجنون» (تأليف علاء مهنا وإخراج سيف الدين سبيعي ــ إنتاج شركة «غولدن لاين» ـ «MBC دراما»، وتلفزيون سوريا الثانية) إلى الأحداث التي وقعت في الفترة الممتدة بين عامَي 2022 و2024. يغوص في شبكة فساد واسعة تمتد من الأحياء الشعبية إلى السلك القضائي، كاشفاً عن شبكات فساد وتهريب، ومقدّماً توصيفاً لأماكن جغرافية كانت تستفيد من وضعها الحدودي لتجارة الممنوعات وتواطؤ بعض مؤسسات العدالة معها.
- «السوريون الأعداء»
يُستخدم في العمل عدد من اللهجات السورية وتشارك في بطولته نخبة من نجوم الدراما السورية، في مقدمتهم سلافة معمار، وعابد فهد، وباسم ياخور، ونظلي الرواس، وعبدالمنعم عمايري، وميسون أبو أسعد، وهبة نور، وجلال شموط، وجيانا عنيد، وجهاد سعد، وخالد شباط، وتولين البكري، وإيهاب شعبان، وولاء عزام، وطارق مرعشلي، وكرم شنان.
شهادات من داخل المعتقلات
يروي «القيصر ـ لا مكان لا زمان» شهادات واقعية من داخل المعتقلات السورية جرت معالجتها بطريقة درامية ليكون من أجرأ التجارب في توثيق الانتهاكات خلال سنوات الصراع. يتكوّن العمل من عشر ثلاثيات منفصلة، تتناول كل ثلاثية قصة مختلفة بأبطال مختلفين، ما يمنح تنوعاً في السرد ويغني المحتوى الدرامي.
توزعت كتابة الثلاثيات على عدد من الكتّاب أبرزهم: نجيب نصير، وعدنان العودة، وزهير الملا، ولؤي النوري، ومؤيد النابلسي، من إنتاج شركة «باور برودكشن»، وإخراج صفوان مصطفى نعمو، فيما ستتولى شركة «رولز» تنفيذ العمليات الفنية في أبو ظبي، كما غنّت الفنانة السورية أصالة نصري شارة العمل.
وتؤدي بطولة الثلاثيات مجموعة من النجوم منهم: سلوم حداد، وغسان مسعود، وصباح الجزائري، وسامر إسماعيل، وأنس طيارة، ومهيار خضور، ودانا مارديني، وعبد الحكيم قطيفان، وجفرا يونس.
يجسد النجم سلوم حداد مثلاً شخصية ضابط رفيع المستوى برتبة لواء، تتقاطع ملامحها مع شخصية يعرفها السوريون جميعاً، ومتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
أما الفنانة القديرة صباح الجزائري، فتؤدي دور والدة معتقل سياسي، عاشت سنوات طويلة وهي تدفع كل ما تملك من أجل الإفراج عنه، لتصطدم في النهاية بمصير مأساوي، ولم يتم تحديد قنوات العرض حتى الآن. مع كثرة هذه الأعمال ودخول الدراما السورية أمام منعطف تاريخي حاسم، يبقى السؤال مطروحاً: هل سنشهد تحولاً إلى فضاء جديد من الإبداع الحرّ، أم ستُعاد صياغة هذه الأحداث كأداةٍ لتطويع الذاكرة الجمعية تحت رقابةٍ جديدة؟
الدراما المصرية: الشارع أصل الحكاية
وكتب عبد الله الرامي عن الدراما المصرية:

من مسلسل «أب ولكن»
تخلع الدراما المصرية هذا العام عباءة «الأبطال الخارقين» لتعود إلى أصل الحكاية: الشارع وناسه. بين أزمات ما بعد الطلاق في «كان يا ما كان»، ومعاناة الآباء مع قانون الرؤية في «أب ولكن»، وعالم التوحد الساحر في «اللون الأزرق»، تتحول الشاشة إلى مرآة حقيقية تلمس جراح الأسر المصرية وتناقش قضاياها المسكوت عنها بجرأة وواقعية
اختارت الدراما المصرية هذا العام أن تقترب أكثر من الشارع. بدل الاعتماد على الحكايات الكبرى أو الصراعات الخارقة، تتصدر الأعمال التي تناقش مشكلات اجتماعية واقعية المشهد، وتتحول القضايا اليومية إلى مادة درامية أساسية. ثلاثة مسلسلات على الأقل تعكس هذا الاتجاه بوضوح، متناولةً الطلاق، والأبوة المنقوصة بالقانون، وعالم أطفال التوحد. كأن الدراما قررت أن تنظر إلى المجتمع لا باعتباره خلفية للأحداث، بل باعتباره بطل الحكاية نفسه.
هذا التحول لا يأتي من فراغ، فالسنوات الأخيرة شهدت تضخماً في الدراما الثقيلة بين أعمال الجريمة والعصابات وحكايات العالم السفلي وفانتازيا العفاريت، وأبطال يعيشون خارج الواقع الاجتماعي المباشر.
في المقابل، كانت هناك فجوة بين ما يُعرض على الشاشة وما يعيشه الناس. فجوة بدأت تضيق تدريجاً، حتى صار سؤال: «ما الذي يمس حياتنا مباشرة؟» سؤال درامي مشروع بل مطلوب.
الطلاق كنقطة بداية!
ينطلق مسلسل «كان يا ما كان» (تأليف شيرين دياب، وإخراج كريم العدل ــ dmc و «dmc دراما» ومنصة Watch It) من أكثر القضايا حضوراً في الحياة اليومية، هي قضية الطلاق، لا بوصفه نهاية علاقة فقط، بل بوصفه بداية سلسلة طويلة من التبعات النفسية والاجتماعية. يناقش العمل مصير العلاقات بعد الانفصال وتغير شكل الأبوة والأمومة وكيفية إعادة تعريف الأسرة بعد تفككها، وتحوّل الحب القديم إلى ذاكرة متنازع عليها بين الطرفين.
اللافت أن المسلسل لا يقف عند لحظة الطلاق نفسها، بل يتعامل معها كنقطة بداية للأحداث. هو معني بما يحدث بعد الانفصال أكثر من الانشغال بأسبابه، وبالسؤال الأكبر: هل يمكن لعلاقة انتهت رسمياً أن تظل قائمة إنسانياً؟
طلب درامي بتعديل القانون
يذهب مسلسل «أب ولكن» (تأليف وإخراج ياسمين أحمد كامل ــ dmc و «dmc دراما» ومنصة Watch It) إلى منطقة أكثر تحديداً وحساسيةً؛ هي معاناة الآباء مع قانون الرؤية. هنا لا نتحدث عن أزمة عاطفية فقط، بل عن أزمة قانونية تتحول إلى مأساة إنسانية. يطرح المسلسل حكايات آباء يرون أبناءهم لساعات محدودة في أماكن محايدة، كأن الأبوة صارت موعداً مؤقتاً لا علاقة يومية. لا يكتفي العمل بسرد المعاناة، بل يطرح مطلباً صريحاً بتعديل القانون، في محاولة لجعل الدراما جزءاً من النقاش العام، لا مجرد مرآة للوجع. وهو بذلك يعيد طرح سؤال قديم: هل دور الدراما أن تكتفي بعرض المشكلة، أم أنّ لها حق التدخل في اقتراح الحلول؟
لا تعتمد هذه الأعمال على البطولة الفردية الصارخة
أما مسلسل «اللون الأزرق» (تأليف مريم نعوم، وإخراج سعد هنداوي ــــ قناة CBC و«الحياة» ومنصة Watch It) فيدخل إلى مساحة تكاد مساحة غائبة في الدراما العربية، إذ يستعرض عالم أطفال التوحد. يأتي العمل بعد النجاح الكبير لمسلسل «لام شمسية» في الموسم الماضي، ما يمنحه خلفيةً فنية مرتبطة بتجربة أثبتت قدرتها على الجمع بين الحساسية الإنسانية واللغة الدرامية. يناقش المسلسل معاناة الأطفال أنفسهم، لكن أيضاً معاناة الأسر، بين القلق، والشعور بالذنب، والصدام مع المجتمع، ونظرة المدارس والمؤسسات الطبية.
الميزة أن العمل لا يقدم الطفل المختلف بوصفه حالة طبية فقط، بل بوصفه شخصية لها عالمها الخاص وطريقتها في التواصل مع الكون.
ما يجمع هذه الأعمال الثلاثة ليس موضوعاتها فقط، بل زاوية النظر. نحن أمام دراما لا تصرخ بالشعارات، لكنها تبني سردها من التفاصيل اليومية: حضانة طفل، موعد رؤية، جلسة علاج، بيت انفصل أهله. تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تشكل حياة كاملة لآلاف الأسر.

- من مسلسل «كان يا ما كان»
وهنا تتبدل وظيفة الدراما من مجرد تسلية رمضانية إلى مساحة للنقاش الاجتماعي. ليس بالضرورة أن تغير قانوناً، لكنها تغيّر زاوية النظر، تجعل القضية المرئية على الشاشة قابلة لأن تناقش على مائدة الإفطار.
اللافت أيضاً أن هذه النوعية من الأعمال لا تعتمد على البطولة الفردية الصارخة، بقدر ما تعتمد على الجماعية، حيث كل قصة تمثل شريحة، وكل شخصية تمثل حالة. كأن النجم الحقيقي هو المشكلة نفسها، لا من يؤديها. وهو ما ينسجم مع مناخ عام في الدراما بدأ يخفّف من مركزية «البطل الخارق»، لمصلحة الإنسان العادي الذي يتعثر ويخطئ ويبحث عن حلّ.
في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا الاتجاه عن تحولات الجمهور. لم يعد المشاهد يكتفي بالحكايات البعيدة من حياته، ولا يرى في الشاشة مجرد مساحة هروب. جزء معتبر من الجمهور يريد أن يرى نفسه، خلافاته، أزماته الأسرية، علاقته بالقانون، ونظرته لأطفاله المختلفين.
ومن هنا يصبح اختيار هذه القضايا نوعاً من الرهان على أنّ الواقعية قادرة على المنافسة، وأن الوجع الإنساني قد يكون أكثر تشويقاً من المطاردات والسلاح. لكن هذا الاتجاه يحمل مخاطرة أيضاً: تحويل القضايا الاجتماعية إلى دراما قد يسقط في المباشرة أو الوعظ، إذا لم يتم تقديمه بحس فني كاف. الفرق بين عمل يطرح قضية، وعمل يتحول إلى منشور توعوي، هو فرق في الكتابة لا في النية.
النجاح الحقيقي هنا مرهون بقدرة الأعمال على تحويل المشكلة إلى حكاية، لا إلى درس. في النهاية، يمكن القول إن دراما رمضان هذا العام تعطي «نصيب الأسد» للمشكلات الاجتماعية، ليس لأنّها موضة عابرة، بل لأنها صارت مادة درامية ناضجة. الطلاق، قانون الرؤية، أطفال التوحد… كلها قضايا تجد طريقها إلى الشاشة بوصفها قصصاً تروى… بعد عقود كانت فيها ملفات مهملة.
*في الملف عدة مواضيع أخرى ننصح بالإطلاع عليها في الصحيفة



