حرب الاستنزاف بين البيروقراطية والتعبئة: صراع بين التفوق العسكري والصمود (عماد عكوش)

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
عندما يدخل أي صراع عسكري في مرحلته الطويلة ، لا يعود الحسم مرتبطًا فقط بعدد الضربات أو كثافتها، بل يصبح رهنًا لقدرة كل طرف على تعويض الذخائر ، حماية اقتصاده ، وضبط مزاج مجتمعه الداخلي. وفي الحروب الحديثة ، كثيرًا ما لا يكون السؤال هو من يملك السلاح الأقوى، بل من يستطيع الاستمرار زمنًا أطول بكلفة أقل؟
في الحرب الدائرة اليوم ، تتواجه إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ، مع امتداد المواجهة إلى جبهات المقاومة والخليج والممرات البحرية والطاقة العالمية. فالحرب التي بدأت في 28 شباط 2026 دخلت أسبوعها الثالث ، مع استمرار الضربات المتبادلة ، وتصاعد الهجمات على البنية التحتية للطاقة ، وتوسّع الانعكاسات الاقتصادية عالميًا.
ميدانيًا ، تخوض إيران مواجهة مباشرة أساسًا مع الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي ، في ظل ضربات أميركية وإسرائيلية على أهداف داخل إيران ، وردود إيرانية صاروخية ومسيّرة على إسرائيل وعلى قواعد أميركية وبريطانية ، إضافة إلى امتداد القتال إلى لبنان عبر المواجهة مع المقاومة اللبنانية ، وإلى الخليج عبر استهداف منشآت طاقة وممرات ملاحة. كما دفعت واشنطن بتعزيزات إضافية إلى المنطقة ، في وقت لم تُعلن فيه بعد حربًا برية شاملة داخل إيران.
بمعنى آخر، إيران لا تواجه خصمًا واحدًا فقط، بل تواجه تحالفًا عسكريًا وتقنيًا عالي القدرة ، لكنها في المقابل تستند إلى نمط حرب غير متماثل يسمح لها بإطالة أمد الاستنزاف بدل الدخول في سباق حسم سريع.
تكمن المفارقة في أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تفوقًا ناريًا وتكنولوجيًا واستخباراتيًا هائلًا ، لكنهما تعانيان نسبيًا من تعقيد أنظمة الإنتاج والتعاقد وسلاسل التوريد . فالحرب الحديثة تستهلك كميات ضخمة من الصواريخ الدقيقة والاعتراضات الجوية والذخائر بعيدة المدى ، وهذه ليست مواد يمكن تعويضها بسرعة خلال أسابيع قليلة. وقد أظهرت التقارير الحديثة أن الولايات المتحدة استخدمت في الأيام الأولى من الحرب كميات كبيرة من الذخائر المتقدمة ، بينما طلب البنتاغون أكثر من 200 مليار دولار لتمويل الحرب وإعادة تعبئة المخزونات.
في المقابل، تعتمد إيران على نموذج مختلف وهو كلفة أقل للوحدة القتالية ، انتشار أكبر للإنتاج المحلي، واعتماد واسع على المسيّرات والصواريخ الأرخص نسبيًا ، إلى جانب مرونة تنظيمية أعلى في ظروف الحصار. ووفق تقديرات نشرتها رويترز، كانت إيران قبل الحرب تملك ما بين 2,500 و6,000 صاروخ بالستي ، إضافة إلى قدرة تصنيع مسيّرات تصل إلى نحو 10,000 طائرة شهريًا.
هذا لا يعني أن إيران غير قابلة للاستنزاف. على العكس حيث تعرضت دفاعاتها الجوية ومنشآتها وقادتها ومصانعها لخسائر كبيرة ، وبعض وتيرة إطلاقها تراجعت. لكن الفارق هو أن إيران لا تحتاج إلى المحافظة على مستوى نيران مماثل للولايات المتحدة وإسرائيل حتى تعتبر نفسها صامدة ، يكفيها أن تُبقي الكلفة مرتفعة على خصومها وأن تمنعهم من تحقيق حسم سريع.
اقتصاديًا، تظهر الحرب آثارها بسرعة عبر التضخم والطاقة ، ففي الولايات المتحدة ، بلغ تضخم مؤشر أسعار المستهلك 2.4% على أساس سنوي في شباط 2026، قبل أن تبدأ الحرب بتغذية موجة قلق جديدة مرتبطة بالنفط والوقود. كما ارتفع متوسط سعر البنزين الوطني إلى نحو 3.91 دولار للغالون، وأظهر استطلاع رويترز وابسوس أن 55% من الأميركيين يشعرون بضغط مالي من ارتفاع أسعار الوقود ، فيما قال 21% إن التأثير كبير جدًا على ميزانياتهم.
أما في إسرائيل، فتشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن مؤشر الأسعار ارتفع 0.2% في فبراير 2026 ، بينما كانت القراءة السنوية تدور قرب 2% ، أي ضمن النطاق الرسمي نسبيًا ، لكن هذه الأرقام تسبق بالكامل أثر التصعيد الحالي على الطاقة والتأمين والنقل والإنتاج. كما بدأ الضرر يصل إلى البنية التحتية ، مع تسجيل أضرار في منشآت حيوية في مجمع حيفا للتكرير وانقطاعات كهرباء مؤقتة.
أما إيران، فالصورة مختلفة. أسعار الوقود المحلية ما زالت مدعومة بشدة ، وتشير بيانات أسعار الوقود إلى أن سعر البنزين المحلي يبلغ نحو 15,000 ريال إيراني لليتر. لكن هذا الدعم لا يعني راحة اقتصادية، لأن التضخم الإيراني كان قد بلغ 36% في 2025 قبل الحرب ، ثم بدأت الأسعار في البازار والأسواق التجارية تقفز فوق هذا المستوى مع إغلاق محال وتعطل التجارة وتضرر النشاط المدني.
إذن، الصورة ليست أن إيران مرتاحـة اقتصاديًا، بل إن مجتمعها اعتاد أصلًا على اقتصاد التضخم والعقوبات والتقشف ، بينما المجتمعات الغربية والإسرائيلية أقل استعدادًا نفسيًا لتحمل ارتفاعات طويلة في كلفة المعيشة والطاقة.
هنا نصل إلى النقطة الأهم اجتماعيًا. القدرة على الصبر ليست مسألة أخلاقية فقط ، بل بنية سياسية ومعيشية. في إيران ، راكم المجتمع على مدى عقود خبرة في التكيف مع العقوبات ، التضخم ، نقص بعض السلع ، وتراجع قيمة العملة. هذا لا يعني غياب التعب أو الغضب ، بل يعني أن الاقتصاد والمجتمع والإدارة العامة اعتادوا العمل تحت الضغط. لذلك ، فإن السقف النفسي لما يُعتبر أزمة لا تُحتمل أعلى نسبيًا.
في المقابل، تظهر البيانات الأميركية بوضوح أن التحمل الشعبي محدود. فاستطلاع رويترز وابسوس يظهر أن 65% من الأميركيين يعتقدون أن حربًا برية كبيرة قد تحصل، لكن 7% فقط يؤيدون غزوًا واسعًا، و55% يعارضون إرسال قوات برية أصلًا. كما أن ارتفاع البنزين عاد ليصبح قضية يومية تمسّ الناخب الأميركي مباشرة.
أما في الكيان الاسرائيلي ، فرغم أن المجتمع أكثر تعبئة عسكريًا من المجتمع الأميركي، إلا أنه أكثر حساسية من الناحية الاقتصادية والأمنية لكونه يعيش تحت تهديد مباشر للصواريخ ، ومعرّضًا لتعطل الإنتاج والطاقة والاستنفار المتواصل. لذلك ، يمكن القول إن القدرة الإسرائيلية على تحمل حرب قصيرة وعنيفة عالية ، لكن القدرة على تحمل حرب استنزاف مفتوحة ومكلفة اقتصاديًا ونفسيًا ليست بلا حدود. هذا استنتاج تدعمه الأضرار التي طالت الطاقة والبنية التحتية، والتشاؤم الدولي المتزايد من أفق الحرب.
في الخلاصة هذه الحرب تكشف بوضوح أن التفوّق العسكري لا يساوي دائمًا القدرة الأعلى على الصمود.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان القوة النارية والتكنولوجيا والقدرة على الضرب، لكنهما تواجهان مشكلة الكلفة العالية، وحساسية المجتمع تجاه التضخم، وبطء إعادة تكوين المخزون النوعي. في المقابل، تمتلك إيران نموذجًا أكثر خشونة وأقل رفاهية، لكنه أكثر قابلية لتحمّل الاستنزاف الطويل من حيث البنية النفسية والتنظيمية والاقتصادية النسبية. ولهذا، إذا استمرت الحرب، فلن تُحسم فقط في السماء أو في المخازن العسكرية، بل أيضًا في محطة الوقود، فاتورة الكهرباء، سلاسل الإمداد، وصبر المجتمعات على الغلاء والخوف. والنتيجة الأرجح ليست “انتصارًا حاسمًا سريعًا” لأي طرف، بل تآكل متبادل يدفع في النهاية إلى وقف نار أو تجميد للقتال عندما تصل الكلفة إلى مستوى يفوق الفائدة. الذخائر قد لا تنفد كليًا، لكن الإرادة السياسية والقدرة الاقتصادية على مواصلة استهلاكها هما ما سيحدد لحظة التوقف.


