تكنولوجيا الطائرات المسيّرة وسقوط نظرية الحزام الحدودي (أحمد حوماني)

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
مع أنها تكرار مُملّ لما يقوله في كل مؤتمراته الصحفية، فإن آخر تصريحات نتنياهو ما زالت تحاول استجداء بعض الاطمئنان المفقود لسكان مستوطناته في شمال فلسطين المحتلة، ومما قاله: “لن ننسحب من جنوب لبنان طالما أن الاحتياجات الأمنية لإسرائيل تقتضي ذلك”، وهو بذلك يُعيد تجريب المُجرَّب. ولا شك عندنا في أن عقله في أعلى درجات الإجرام، لكن محاولته تصوير البقاء في شريط من قرى الجنوب على أنه الخلاص لمستوطنيه هي قمة الاستخفاف بعقولهم، وقمة الاستهانة بخلاصات وعِبر تجربة الشريط الحدودي من العام 1982 إلى العام 2000، والتي أدّت إلى استنزاف جيش العدو الصهيوني وميليشيا العميل أنطوان لحد، وأجبرت العدو الصهيوني على الانسحاب في العام ألفين ذليلًا مُهانًا. مع العلم أن الحرب في تلك الفترة كانت عبارة عن أسلحة مواجهة مباشرة، أي أسلحة خفيفة ومتوسطة، وعبوات ناسفة وألغام، وصواريخ متوسطة المدى تُرمى بتقنيات بسيطة، غير منظمة وفعّالة بدرجة كبيرة، وبالرغم من كل ذلك اضطرّ العدو للانسحاب، وكانت مستوطناته تُقصف عند كل اعتداء على قرى الجنوب اللبناني. أما اليوم، وفي ظل التقنيات الحديثة سواء الصواريخ الموجَّهة أو البعيدة المدى والدقيقة، والطائرات المسيّرة الموجَّهة عن بُعد، فلم يعد هناك من أهمية عسكرية لاحتلال الشريط الحدودي أو الحزام الأمني كما يسمونه، كما لم يعد للنقاط الجبلية العالية أي أهمية بالنسبة للرصد، بعد أن كان ذلك من الأمور الاستراتيجية التي لا غنى عنها للجيوش العسكرية لحماية أراضيها.
إن التطور التكنولوجي، وما رافقه من صناعات عسكرية سواء على صعيد الرادارات المتطورة، أو الأقمار الاصطناعية التي تُجري مسحًا لحظيًا ويوميًا للمناطق المستهدفة، أو طائرات التجسس العالية القدرة والجودة، والتي تستطيع تحديد وتصوير أدق التفاصيل، عدا عن القدرة على تتبّع الهواتف وحركتها واتصالاتها بشكل مذهل، ولا يُمكن تجاهل كل التحذيرات من التلفزيونات الذكية، والسيارات المجهَّزة بأنظمة تتبّع حديثة، وكذلك التنصت على كل شبكات التحكم عبر الواي فاي، كل هذه الأمور تجعل من موقع تلة مشرفة أو جبل عالٍ عديم القيمة في عمليات الرصد والتجسس. لقد كانت هذه الأمور فعّالة في حركة الجيوش التقليدية قبل هذا التطور التكنولوجي، حيث كان الاعتماد على المناظير النهارية والليلية لرصد تحركات العدو والتصدي له.
إن وجود الطائرات المسيّرة، والتي يتم تحديثها وتطويرها بسرعة كبيرة، قد ألغى قيمة المناطق الجغرافية والمسافات بينها. فاختراق منطقة ما بعرض عدّة كيلومترات لزرع عبوة كان يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل، عدا عن المخاطرة الجسدية بالمقاتلين. أما مع وجود الطائرات المسيّرة فقد أصبح عبور هذه المنطقة سهلًا وبدقائق معدودة، وبدلًا من زرع عبوة لدبابة، أصبحت هذه الطائرات عبارة عن عبوات متحركة، تضرب أينما تشاء، وساعة ما تشاء، ومن دون جهد كبير، ودون حاجة بشرية لقطع المسافات. إن الحديث عن مناطق عازلة اليوم هو ضرب من الخيال مع وجود نوعيات من هذه الطائرات التي تستطيع قطع عشرات الكيلومترات وتصيب أهدافها بدقة عالية، عدا عن عمليات الرصد والاستطلاع وتحديد الأهداف ومواكبة حركة الآليات والجنود. وهذه التقنيات أصبحت متوفرة بشكل كبير في السوق العسكرية. وفي الأيام القليلة الماضية مثلًا هاجمت أوكرانيا الأراضي الروسية بحوالي ألف طائرة خلال يوم واحد، قطعت بعضها مسافة تزيد عن ألف كيلومتر، وضربت أهدافًا حساسة واستراتيجية في عمق روسيا. ولا ننسى أنه في حرب حزيران الماضي بين إيران والعدو الصهيوني، أرسلت يومها إيران حوالي 300 طائرة مسيّرة مقاتلة في وقت واحد لضرب أهداف في فلسطين المحتلة.
إذًا، إن حديث بنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس عن ضرورة البقاء في منطقة عازلة، سواء في لبنان أو سوريا لحماية المستوطنات، ما هو إلا كذب وافتراء، وإنما يأتي ذلك في سياق الهدف الأساسي الصهيوني وهو مزيد من احتلال الأراضي والتوسع فيها لتحقيق حلم “إسرائيل الكبرى”. أما القول إنه لحماية المستوطنات والمستوطنين، فالكل يعلم، بما فيهم المستوطنون، أن تواجد العدو الصهيوني في هذه المنطقة العازلة منذ حوالي أربعة أشهر لم يجلب لهم الأمان، وأن طائرات المقاومة كانت تضرب في عمق مستوطناتهم بشكل يومي، وأنها تُلقي التحية عليهم صباحًا ومساءً. ويعرف نتنياهو وقادة جيشه هذه المعطيات العسكرية وهم يُقرّون بعجزهم أمامها، وهم متأكدون أن المنطقة العازلة لن تجلب الأمن والاستقرار للمستوطنات، ومع ذلك يكررون بإصرار أن وجودهم فيها هو لحماية المستوطنين، لعل ذلك يُطمئنهم ولو حتى إجراء الانتخابات الصهيونية في أيلول المقبل.
لن يطول الوقت حتى تمتلك المقاومة نوعيات أصغر وأدق من هذه الطائرات، التي ستتمكن من دخول بيوت المستوطنين وغرف نومهم، وملاحقة جنود الاحتلال في مراكزهم وآلياتهم العسكرية. فغدًا سيتحوّل الجيل الجديد منها إلى بنادق قنص تستهدف كل ما يتحرك أمامها، وستكون كامل أراضي فلسطين المحتلة تحت مرمى الطائرات المسيّرة البعيدة المدى التي تحمل صواريخ ذات فعالية مضاعفة ودقّة أكبر.
يعرف نتنياهو وقادته أن جلب الأمن لا يكون بالحلول العسكرية، وإنما بالاتفاقات السياسية مع الجهات التي تملك القدرة والقرار على الالتزام والتنفيذ. ويشهد لذلك أن المستوطنات عاشت الهدوء والسكينة بعد اتفاقات حرب تموز 2006 لمدة سبعة عشر عامًا، وأن مفتاح ذلك هو الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف مسلسلات الاعتداءات والقصف والقتل. فأمن المستوطنات والمستوطنين لن يحصل إلا إذا عاش الجنوب بأمان وسلام من الاعتداءات الصهيونية.



