رأي

المفاوضات كخديعة: حين يصبح السلام أداة حرب (أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

في لحظة تتكاثر فيها الإشارات المتناقضة، يصبح التساؤل حول طبيعة المفاوضات المطروحة أمراً مشروعاً: هل نحن أمام مسار فعلي نحو التهدئة، أم مجرد واجهة لاعتبارات أخرى؟

 تاريخ الصراعات الحديثة يُظهر أن المسارات السياسية كثيراً ما استُخدمت كأدوات تضليل، سواء لكسب الوقت، أو لامتصاص الضغوط، أو للتحضير لجولات أكثر حدّة. واليوم، مع التوازي الواضح بين خطاب الانفتاح التفاوضي واستمرار العمليات العسكرية واتساعها، تبدو هذه الفرضية أقرب إلى الواقع.

المشهد الحالي لا يمكن قراءته كتصعيد تقليدي، بل كحرب مركّبة تتداخل فيها القوة العسكرية مع الرسائل السياسية والاقتصادية والنفسية. فمن جهة، تُطرح الوساطات وتُعلن قنوات الاتصال، ومن جهة أخرى تتسع رقعة الضربات وتزداد حدّتها، ما يعزّز فرضية أن المفاوضات تُستخدم كغطاء تكتيكي ضمن لعبة أوسع.

المعطيات الميدانية الأخيرة، حتى تاريخ 24-03-2026، تعكس هذا التناقض بوضوح. فعلى المستوى السياسي، تشير التسريبات إلى تعثّر واضح في المسار التفاوضي، مع تشدد في المواقف وعدم تقديم تنازلات جوهرية في ملفات حساسة كالصواريخ والبرنامج النووي. هذا الجمود يعكس محدودية الأدوات الدبلوماسية المتاحة، ويعزز فكرة أن التفاوض يتحول إلى وسيلة إدارة للصراع لا إلى حل له.

في المقابل، تتسارع الوقائع الميدانية. في الخليج، برز تطور لافت مع تحكّم فعلي بحركة الملاحة في مضيق هرمز، بما يعكس استخدام الطاقة كأداة ضغط استراتيجية. هذا التحول لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، حيث تشير تقديرات إلى تأثيرات ملموسة على تدفق الطاقة والأسواق، ما ينذر بإدخال الصراع في مرحلة “حرب الطاقة” ولو بشكل غير معلن بالكامل.

ميدانياً أيضاً، تظهر مؤشرات على تآكل فعالية الردع التقليدي. تقارير عن استهداف منظومات رادارية ودفاعية، وتعطيل بنى تحتية حيوية، تعكس انتقال العمليات إلى مستوى أكثر تعقيداً. كما أن الحديث عن “مدن صاروخية” وقدرات احتياطية كبيرة يشير إلى أن ما استُخدم حتى الآن قد لا يمثل سوى جزء محدود من الإمكانات المتاحة.

على الجبهة اللبنانية، يتكرّس نمط الاستنزاف البري، مع ارتفاع الخسائر في الآليات العسكرية وتزايد الضغط على القوات البرية، ما يعكس صعوبة الحسم الميداني. في الوقت نفسه، تظهر مؤشرات على نقص في الموارد البشرية القتالية، ومحاولات تعويض ذلك بوسائل غير تقليدية، ما يعكس ضغطاً متزايداً على البنية العسكرية.

أما على المستوى الأوسع، فتشير بعض التطورات إلى بداية خروج الصراع من إطاره الجغرافي الضيق، مع دعوات لتوسيع نطاق المواجهة واستهداف مصالح في مناطق متعددة، ما يفتح الباب أمام سيناريو تصعيد عابر للإقليم. بالتوازي، تبرز مؤشرات على تحديات تقنية وعملياتية في بعض المنظومات العسكرية المتقدمة، ما يضيف بعداً جديداً إلى حسابات التوازن العسكري.

في هذا السياق، يعود السؤال الأساسي: هل وصلت الحرب إلى “نقطة الذروة”. أي اللحظة التي تصبح فيها كلفة الاستمرار أعلى من المكاسب. المؤشرات الحالية توحي بأن الضغوط تتراكم بشكل غير متوازن. فبينما يزداد الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية مع طول أمد المواجهة، يبدو أن إيران تعتمد استراتيجية الزمن والاستنزاف، حيث يتحول الوقت إلى عنصر قوة.

لكن الأخطر يبقى في انتقال الاستهداف إلى البنى التحتية، خصوصاً الطاقة، ما يجعل تأثير الصراع يتجاوز أطرافه المباشرة ليطال الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، يجب التمييز بين الوقائع المثبتة وبين السرديات المتداولة، في ظل حرب إعلامية موازية تضخم بعض المعطيات وتستخدمها كأداة تأثير.

في قلب هذا المشهد، تبقى المفاوضات لغزاً. فهل هي محاولة فعلية لاحتواء التصعيد، أم مجرد مناورة لإعادة ترتيب الأوراق. التجارب السابقة تشير إلى أن المفاوضات في زمن الحروب قد تكون جزءاً من أدواتها، لا بديلاً عنها.

لذلك، لا يمكن فصل المسار السياسي عن الميدان. فالمعيار الحقيقي هو ما يحدث على الأرض، لا ما يُعلن في التصريحات. ومع استمرار التناقض بين خطاب التهدئة وتصاعد العمليات، تبقى فرضية “الخديعة التفاوضية” قائمة بقوة.

في النهاية، قد لا تُحسم هذه الحرب بضربة واحدة أو اتفاق مفاجئ، بل بلحظة إدراك لدى أحد الأطراف بعدم القدرة على الاستمرار بالكلفة نفسها. عندها فقط تتحول المفاوضات من أداة تكتيكية إلى ضرورة. وحتى ذلك الحين، ستبقى النوايا ضبابية، وسيظل فهم ما يجري بحد ذاته جزءاً من المعركة.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى