الرئيس نبيه بري.. “ملك بلا عرش” (أسامة مشيمش)

بقلم د.أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز
يشكّل إعلان الرئيس نبيه بري ترشّحه للانتخابات النيابية محطة سياسية لافتة في الحياة العامة اللبنانية، ليس فقط لكونه رئيسًا لمجلس النواب وزعيمًا تاريخيًا لحركة سياسية وازنة، بل لأن طريقة الإعلان وتوقيته حملا دلالات تتجاوز البعد الإجرائي إلى البعد الرمزي والسياسي. فالضجة التي رافقت هذا الإعلان لم تكن مجرّد تفاعل إعلامي عابر، بل بدت أقرب إلى استفتاء سياسي مبكر على موقع الرجل في المعادلة الوطنية.
لقد اعتاد اللبنانيون أن تترافق الاستحقاقات الانتخابية مع مناخ من الترقّب والاصطفاف، إلا أن حالة الرئيس نبيه بري تختلف بحكم الاستمرارية الطويلة في رئاسة المجلس النيابي، وهي الاستمرارية التي كرّسته أحد أبرز أعمدة النظام البرلماني بعد اتفاق الطائف. ومن هنا، فإن إعلان ترشّحه لا يُقرأ فقط كخطوة شخصية في سياق تنافسي، بل كإشارة إلى ثبات معادلة سياسية قائمة منذ عقود، استطاع من خلالها أن يحجز لنفسه موقعًا محوريًا في إدارة التوازنات الدقيقة بين القوى اللبنانية.
إن الحديث عن “إعلان مبكر للنتيجة” لا يأتي من باب المبالغة الخطابية، بل من قراءة واقعية لموازين القوى داخل البيئة الشيعية أولًا، حيث يحظى بري بحضور شعبي وتنظيمي راسخ، ثم على المستوى الوطني، حيث نسج شبكة علاقات سياسية عابرة للطوائف. ففي بيئة اعتادت التماسك الانتخابي، يشكّل الصوت التفضيلي مؤشرًا دقيقًا على حجم التأييد، وهو ما يرجّح أن يترجم إلى رقم وازن يعكس موقعه القيادي داخل كتلته وخارجها.
لكن ما يلفت في هذا المشهد ليس فقط الحضور داخل الطائفة، بل القدرة على التحوّل إلى شخصية وطنية جامعة، ولو في إطار التوازنات القائمة. فالرئيس بري، بحكم تجربته الطويلة في إدارة الحوار بين الخصوم، وقيادته لجلسات تشريعية مفصلية في ظروف شديدة التعقيد، بات يُنظر إليه من قبل حلفائه وخصومه على السواء باعتباره لاعبًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه. حتى الخصومات السياسية التي شهدها لبنان في مراحل مختلفة لم تصل غالبًا إلى مستوى القطيعة النهائية معه، بل بقيت ضمن هامش الخلاف غير الجوهري، القابل للتفاوض متى توفرت الإرادة السياسية.
من هنا يمكن فهم توصيفه بأنه “ملك الوطن بلا عرش”. فالمقصود ليس تكريسًا لمفهوم ملكي في نظام جمهوري برلماني، بل الإشارة إلى رمزية الموقع الذي يحتله في المعادلة السياسية: موقع النفوذ غير المرتبط بلقب سيادي جديد، بل المتجسّد في القدرة على التأثير وصناعة التسويات. وهذا الموقع لم يتحقق فقط بفعل قوة تنظيمية، بل نتيجة وضوح رؤية سياسية لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، رأت في استمراريته عنصرًا من عناصر الاستقرار في بلد اعتاد الاهتزاز.
إن الانتخابات المقبلة، مهما كانت نتائجها التفصيلية، ستشكّل محطة لتجديد الأحجام والشرعيات. غير أن المؤشرات الراهنة توحي بأن الرئيس بري يدخل هذا الاستحقاق من موقع الثقة، مستندًا إلى رصيد سياسي وشعبي تراكم عبر عقود. وبين الضجة الإعلامية والقراءة الموضوعية، يبقى الثابت أن الرجل نجح في تثبيت حضوره لاعبًا وطنيًا يتجاوز حدود الطائفة، في نظام لا يزال أسير توازناته الطائفية.



