رأي

الجنوب بين الدمار ومنطق القوة(ابراهيم عميس)

 

كتب د. ابراهيم علي عميس – الحوارنيوز

كل يوم يخسر الجنوب جزءًا جديدًا من حياته: بيوتًا تُهدم، وقرى تُمحى ملامحها شيئًا فشيئًا. وحتى المدرسة الجديدة في ميس الجبل، التي كان يفترض أن تكون مكانًا يعود إليه الأطفال لا ساحة حرب، لم تسلم من التدمير. ومع تكرار هذا المشهد، يصبح من الصعب تفسير كل ما يحدث بأنه مجرد ضرورة عسكرية عابرة.
لنطرح السؤال بأبسط صورة ممكنة: ما الضرورة العسكرية في تدمير مقومات الحياة نفسها، وجعل قرى الجنوب أقل قدرة على استقبال أهلها والعودة إلى الحياة من جديد؟

صورة هذا المشهد تتضح وتزداد خطورة عندما يوضع إلى جانب خطاب اليمين الإ.سر-ائي.لي المتطرف، الذي يستحضر في بعض خطاباته نصوصًا توراتية شديدة القسوة.
ففي صموئيل الأول 15:3، في قصة عماليق ( من أقدم وأشد أعداء بني إ.سر-ائي.ل بعد خروجهم من مصر ) ، يرد:

«بل اقتل رجلًا وامرأة، طفلًا ورضيعًا، بقرًا وغنمًا، جملًا وحمارًا.»

وفي يشوع 6:21:

«من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف.»

وفي التثنية 20:16:

«لا تستبقِ منها نسمة ما.»

لذلك، لا يبدو منطقيًا تجاهل حضور هذا الفكر في الخطاب الإ.سر-ائي.لي المعاصر، ولا سيما حين تتقاطع قسوة هذه النصوص مع خطاب اليمين المتطرف، وما يجري ميدانيًا من تدمير، وتصريحات تتحدث صراحة عن الليطاني والاستيطان. هذا التقاطع يجعل التساؤل عنها مشروعًا ولا يجوز تجاهله

ن-تن.يا’هو نفسه استحضر «عماليق» في خطاب الحرب. ثم جاء سموتريتش ليتحدث علنًا عن ضرورة تغيير حدود إ.سر-ائي.ل حتى نهر الليطاني، فيما ظهرت حركات إ.سر-ائي.لية تدعو إلى الاستيطان في جنوب لبنان.

وحين يتزامن هذا الخطاب مع هدم القرى ومنع السكان من العودة، يصبح واجبا التساؤل عمّا إذا كان الهدف يتجاوز إزالة خطر عسكري إلى فرض واقع جديد على الأرض.

وإذا كان هذا هو الواقع الذي يواجهه لبنان، فلا يمكن التعويل على التفاوض وحده وكأنه قادر بذاته على تغييره. فقبل الحديث عن فرص نجاح أي مفاوضات وإعطائها نسبًا وتوقعات، يجب أن نطرح السؤال الأساسي: بأي أوراق قوة يدخل لبنان إلى طاولة المفاوضات؟ مكررة من بداية التفاوض.

فالتفاوض لا يصنع القوة ولا يحلّ محلها، بل هو الوسيلة التي تُترجم بها أوراق القوة إلى مكاسب وضمانات سياسية

أما أن يتخلى الطرف الأضعف عن أوراق قوته قبل أن يحصل على مقابل واضح وضمانات حقيقية قابلة للتنفيذ، ثم يعلّق آماله على التزام الطرف الأقوى بما تم الاتفاق عليه، فذلك لا يصنع تفاوضًا متوازنًا، بل يحوّله إلى رهان على حسن النية.

….والجنوب، بعد كل ما أصابه من دمار وما دفعه من أثمان، لا يجوز أن يكون مستقبله معلقًا على رهان كهذا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى