الادارة الاميركية والكيل بمكيالين (وائل أبو الحسن)

وائل فايز أبو الحسن – الحوارنيوز – المكسيك
يا لها من مُفارقة فاضحة، بل منطق كامل يقوم على الكيل بمكيالين.
تقر الإدارة الأميركية صفقة أسلحة لإسرائيل بقيمة سبعة مليارات دولار، وهي ليست الأولى ولا الأكبر، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التسليح المفتوح والدعم غير المشروط. وفي الوقت نفسه تحاصر إيران، وتمنع من الاستفادة من مواردها، وتلاحق حتى على حقها في امتلاك وسائل دفاعية، ويراد لها أن تحرم من الصواريخ، ومن أي قدرة ردع أو حماية.
هكذا يعاد تعريف الحق وفق ميزان القوة لا وفق ميزان القانون. دولة تدور في الفلك الأميركي يفتح لها باب التسلح على مصراعيه، وتمنح أحدث ما في الترسانة العسكرية، وتغطى سياسيا وإعلاميا، مهما كانت ممارساتها على الأرض. أما الدولة التي ترفض الانصياع أو تحاول بناء استقلالها، فتخنق وتجرم وتوصم بالتهديد لمجرد أنها تريد حماية نفسها.
وما يزيد الأمر فظاعة أن هذا التفوق العسكري لا يقوم فقط على الدعم والتمويل، بل يتغذى أيضا من موارد تنهب بالقوة، وأراض تنتزع، وشعوب تحاصر وتجفف وتحرم حتى من حقها الطبيعي في الاستفادة من خيراتها. ثم يطلب من الضحية أن تلتزم الصمت، وأن تقبل بالضعف، وأن تسلم بأن الدفاع عن الذات إرهاب، وأن الردع عدوان.
إنها الغطرسة بعينها. دول عدوانية تعتدي على دول أخرى، تسلب الأرض والموارد، تمارس القوة والضغط والعقوبات والتهديد، ثم تقف في نهاية المشهد لتوزع شهادات الأخلاق، وتحتكر تعريف الشر والخير.
في هذا المنطق المقلوب يصبح صاحب الحق إرهابيا وسيئا وخارجا عن القانون، بينما يقدم المعتدي بوصفه المنقذ والديمقراطي والحامي للحريات. وبين الصورتين لا حقيقة ثابتة سوى حقيقة واحدة، أن العدالة عندهم ليست مبدأ، بل أداة، وأن القانون الدولي ليس مرجعية، بل ورقة ترفع عند الحاجة وتحرق عند الحاجة.
أعطيت مثال إيران لأنها في قلب الحدث في هذه اللحظة، لكن الأمثلة كثيرة ولا تعد ولا تحصى. بلدان بأكملها حرمت من حقوقها ومن مواردها، واحتلت، أو دفعت إلى الفوضى، أو جرى العبث باستقرارها عبر انقلابات وتحركات بدعم أميركي مباشر، أدى إلى إسقاط حكوماتها، والإتيان بأنظمة تابعة، تحت ذرائع جاهزة تتبدل بحسب الحاجة، مرة بحجة مواجهة الشيوعية، ومرة بحجة إسقاط الديكتاتورية، ومرة تحت عنوان نشر الديمقراطية.
ثم جاءت لحظة طوفان الأقصى فكشفت الصورة بلا أقنعة. رأينا من يسمون أنفسهم العالم المتحضر، ومن يدعون حماية حقوق الإنسان والحريات، واحترام القوانين الدولية، كيف يصطفون عند الاختبار الحقيقي، لا إلى جانب القانون، بل إلى جانب القوة، ولا إلى جانب العدالة، بل إلى جانب الحليف.
أكبر كذبة في هذا العصر هي أسطورة العالم المتحضر. ما يسمى بالنظام الدولي ليس إلا منظومة مصالح، ومعايير مزدوجة، وغطاء أخلاقي يبرر العدوان حين يخدمهم، ويدين الضحية حين ترفض الخضوع. وبين ادعاءاتهم وواقع أفعالهم تتضح الحقيقة كما هي، إمبريالية بلباس حديث، وقوة عارية تتحدث عن القيم وهي أول من يدوسها.
*محام مغترب مقيم في المكسيك



