
الحوارنيوز – تقرير خاص
رجحت مصادر متابعة للملف السياسي الإيراني إنتخاب المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية اليوم الأحد ،خلفا للسيد علي خامنئي الذي اغتيل في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية المستمرة على إيران في يومها التاسع.
وقالت المصادر للحوارنيوز إن حسم هذا الملف بالغ الأهمية بالنسبة لمستقبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية ،لأنه يؤشر على التوجهات الواضحة للسياسة الإيرانية مستقبلا ،في ظل الخلاف التقليدي بين المحافظين والإصلاحيين في الجمهورية الإسلامية ،والضغوط العسكرية والسياسية الناجمة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية حيث يتدخل الأميركيون والإسرائيليون بشكل واضح في اختيار المرشد.
وعلى الرغم من الضغوط العسكرية والأمنية التي تواجهها إيران بفعل الحرب، نقلت وكالة “إيرنا” للأنباء عن أحد مراجع التقليد الكبار آية الله ناصر مكارم شيرازي ، ضرورة الإسراع في اختيار قيادة النظام، وذلك في رسالة وجهها إلى أعضاء مجلس خبراء القيادة. وقال شيرازي إن إنجاز هذا الأمر في الوقت المناسب من شأنه أن يعزّز الاقتدار الوطني، ويساهم في تنظيم الأمور على نحو أفضل.
وكان الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني قد أعلن أن مجلس القيادة المؤقت طلب إعداد الترتيبات لعقد مجلس خبراء القيادة لاختيار المرشد القادم للبلاد. إلا أن هذا الأمر يخضع لمنطق الإحتراز الأمني حيث سبق لإسرائيل أن قصفت مقر مجلس خبراء القيادة في قم ،وهو المولج بانتخاب المرشد الأعلى ،ما يفرض على إيران جمع المجلس في مقر سري وآمن ،أو الإنتخاب عبر الأونلاين.
وإلى حين انتخاب المرشد الجديد تتولى قيادة مؤقتة إدارة شؤون البلاد بموجب المادة 111 من الدستور، وتضم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور . وقد تم اختيار آية الله علي رضا أعرافي للموقع الثالث من هذا المجلس ،وهو أحد المرشحين اليوم لانتخاب المرشد.
المرشحون للخلافة
في هذا الوقت تتردد أسماء ثمانية مرشحين لمنصب المرشد ،عددت قناة “الجزيرة ” ستة منهم وألقت الضوء على سيرهم السياسية على النحو الآتي :

مجتبى خامنئي.. الاستمرارية مع إشكالية التوريث
يتقدم اسم مجتبى خامنئي نجل المرشد الراحل، بوصفه خيار “البيت” الأكثر التصاقا بدوائر القرار التي أدارت الدولة من الأعلى خلال سنوات. قوة هذا الخيار ليست في منصب رسمي ظاهر، بل في قرب طويل من آلية الحكم، تتمثل في معرفة توازنات مكتب المرشد، ومعابر التأثير بين الحرس والمؤسسات، وحدود المسموح والممنوع عند لحظات التوتر.
ويُقرأ مجتبى كإسم قادر على ضمان انتقال بأقل قدر من المفاجآت، بلغة أقرب إلى “الاستمرار المنضبط” لا “القفز في المجهول”، فضلا عن أنه يواظب على الظهور بالقرب من أسماء تُعرف بالاعتدال مثل علي لاريجاني وحسن روحاني. غير أن هذه الميزة تصطدم بالعقدة الأكثر حساسية ألا وهي شبهة التوريث.
فالمنصب الذي طالما قُدِّم كاختيار مؤسسي فقهي، قد يتعرض لاهتزاز رمزي إذا بدا انتقاله امتدادا عائليا مباشرا، وهو ما يجعل أي تسويق لهذا الخيار محتاجا إلى غطاء واسع وسردية دفاعية تُحوّل الوراثة إلى “ضرورة دولة”. فثمّة من يرى أن “البيت يَعِد بالاستقرار، لكنه يدفع ثمن السؤال المحرّم”.

حسن الخميني.. إعادة تركيب الشرعية من “الأصل“
قبالة مرشح “البيت” وقبالة أسماء المؤسسة الدينية الصلبة، يبرز حسن الخميني بوصفه مرشحا مختلفا في الجوهر لا في الشكل. فهو حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني، وما يحمله الاسم هنا ليس مجرد نسب، بل “ذاكرة تأسيس” يمكن استدعاؤها حين تتصدع الشرعية تحت ضغط الحرب والاغتيال.
طرْح حسن الخميني يبدو أقرب إلى “انعطاف محسوب” داخل النظام، لأنه يجمع بين شرعية تاريخية تصعب منافستها بوصفه وريثا أصيلا للخمينية، وبين مرونة سياسية تمنحه هامش حركة أوسع من مرشح البيت.
ففي حين يُتوقع أن يجد مجتبى خامنئي نفسه أسيرا لإرث والده وشبكاته، يستطيع حسن الخميني أن يقدم خطاب تهدئة وإعادة تنظيم للصورة الداخلية، دون أن يُنظر إليه تلقائيا كامتداد مباشر لعهد خامنئي.
ولا يقتصر حضوره على الرمزية وحدها، إذ تُقدّمه دوائر مؤيدة على أنه يملك مستوى حوْزَوِيًّا مقبولا داخل تقاليد قم، ويُشار إلى أنه يدرّس “البحث الخارج” في الفقه والأصول بوصفه مجتهدا، وهي مرتبة يرى مناصروه أنها تكفي في الإطار الدستوري للعبور إلى منصب المرشد. بهذا يتحول اسمه من “عنوان” إلى “قابلية ترشيح” يمكن الدفاع عنها داخل لغة المؤسسة الدينية لا خارجها.
أما نبرة الخطاب فتكمّل الصورة، فهو يجمع بين اعتدال وانفتاح أقرب إلى مزاج “إيران الجديدة”، وإلى طلب اجتماعي متصاعد لتخفيف القبضة وإعادة فتح قنوات السياسة داخل النظام.
وهذا المزج بين الشرعية الثورية والقبول الحوزوي والنبرة الإصلاحية يجعل حسن الخميني -في هذا السيناريو- مرشحا قادرا على قيادة انتقال هادئ ورصين، إذا ما حصل على قبول المؤسسة الصلبة.
وعليه، قد تكون عودة الخميني هنا ليست عودة الاسم، بل عودة المعنى، بقراءة مختلفة لزمن مختلف، لاسيما أن حسن يُعرف باعتداله وقربه من الإصلاحيين الذي لا يخفيه بل يصر أحيانا على إظهاره لمستوى جعل حسينية “جماران” -وهي مكان رمزي للعائلة- “معقلا” للتيار الإصلاحي. فضلا عن أن الهدنة والتهدئة مع “الخصم” في خضم الحرب قد تفرض الوجه المعتدل بصفته “ضرورة” المرحلة.

علي الخميني.. رمز منخفض الكلفة
إلى جانب اسم حسن الخميني، يظهر شقيقه علي الخميني في بعض السيناريوهات بوصفه محافظا وأقل حضورا سياسيا. وقد يبدو هذا توصيفا مخفّضا للحظوظ، لكنه في لحظات الانسداد قد يتحول إلى ميزة وظيفية، أي مرشح “منخفض الضجيج” يمنح غطاء رمزيا من بيت المؤسس، دون أن يفرض مشروعا سياسيا صداميا أو يفتح معارك داخل النخبة.
في هذا التقدير، لا يقوم وزن علي الخميني على ماكينة نفوذ، بل على قابلية الاستدعاء عندما تتعطل الخيارات الثقيلة، فهو اسم يمر بتكلفة أقل، ويتيح للمؤسسة -إن أرادت- إدارة التفاصيل عبر توازنات خلفية.
يُطلب من الاسم أحيانا أن يهدّئ، لا أن يقود هجوما، ويحمل علي هذه الميزة، بالإضافة إلى أنه يمنح النظام صورة “الإصرار” والصمود، بوصفه “فَرَض” اسماً خمينيًّا أصيلا بدلا من أن يتراجع في ظل الحرب واغتيال المرشد.
حسن روحاني.. خبرة الدولة ومشكلة “البوابات“
اسم حسن روحاني يستدعي نموذج “رجل الدولة”، حيث كان رئيسا للجمهورية لـ8 سنوات ويتمتع بخبرة طويلة في إدارة الملفات المعقدة، ويتميز بلغة تفاوض، وصورة سياسية قادرة على مخاطبة الداخل والخارج.
وتصنيفه معتدلا محسوبا على الإصلاحيين يجعله مناسبا -من الناحية النظرية- لسيناريو تهدئة، خصوصا إذا تحولت اللحظة من “الرد العسكري” إلى “ترميم الداخل” والبحث عن مخارج.
لكن في إيران لا تكفي الخبرة وحدها، بل هناك “بوابات” تتحكم في مَن يدخل مسار الشرعية ومن يُستبعد. وفي هذا السياق، من المهم استذكار رفض أهلية روحاني لانتخابات مجلس الخبراء، على الرغم من أن رفض مجلس صيانة الدستور أهلية أي مرشح لا تعني إقصاءه بالكامل، فعلى سبيل المثال رُفضت أهلية علي لاريجاني للانتخابات الرئاسية وبعد مرور عام تقريبا عُيّن أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي في لحظة بالغة الحساسية، ويعد الآن علي لاريجاني ربما أهم اسم في إيران.
ولكن يبقى السؤال قائما بشأن روحاني وفرصته، فهل ستسمح مراكز القوة الصلبة بوصول اسم يُقرأ كامتداد لخط اعتدال مثير للحساسية في لحظة تهديد؟ وإن سمحت استجابةً لضرورة المرحلة، فكيف سيواجهه التيار الذي يجاهر بعدائه وهو تيار اليمين المتشدد الذي يقوده سعيد جليلي الذي لطالما طالب بمحاكمة روحاني؟
صادق آملي لاريجاني.. واجهة مؤسسة وتوازنات تتحرك من الخلف
يُقرأ صادق آملي لاريجاني بوصفه مرشحا محافظا من قلب المؤسسة، له ثقل ديني قانوني، وخبرة في مواقع عليا حيث ترأس لسنوات السلطة القضائية، وبعدها -وحتى الآن- يقود مجلس تشخيص مصلحة النظام، كما أن له قدرة على “ضبط الإيقاع” داخل أجهزة الدولة خصوصا في مرحلة انتقال.
هذا النوع من المرشحين يتقدم عادة حين تكون الأولوية منع الفوضى، وحماية انتظام المؤسسات، وإرسال رسالة بأن الدولة لم تفقد بوصلتها.
لكن اسم لاريجاني يأتي كذلك محمّلا بحسابات النخبة وصراعاتها، وهو ما يجعل تمريره مرهونا بصفقة واسعة أكثر مما هو مرهون بحملة. وتبقى فكرة “الإدارة من الخلف” جزءا من قراءة هذا الخيار، بما معناه واجهة محافظة تُطمئن التيار الصلب، مع احتمال أن تُدار التوازنات بمرونة عبر شبكات سياسية أكثر براغماتية، والمقصود هنا شقيقه علي لاريجاني.
قد لا تكون المعركة على المرشد فقط، بل على من يدير التوازنات حوله. يعدّ علي لاريجاني أهم اسم في هذه المرحلة في إيران، فهو الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، ومعتدل مقرب من الإصلاحيين وله صلاحيات كبرى، فضلا عن أنه سياسي مخضرم شهد تحولات في موقعه داخل هرم القوة، وكان مستشارا للمرشد الراحل ورئيسا للبرلمان.

علي رضا أعرافي.. مرشح “التثبيت” وثقل الحوزة
في خريطة المؤسسة الدينية، يبرز علي رضا أعرافي بوصفه محافظا متشددا يمتلك ثقلا حوزويا وإداريا، ويظهر اسمه كذلك في قلب إدارة المرحلة الانتقالية وفق الصيغة الدستورية، فهو عضو مجلس الخبراء المكلف باختيار المرشد وعضو في مجلس القيادة المؤقت، بجانب الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس القضاء محسني إيجئي. ويمنحه هذا الحضور موقعا عمليا في “زمن الفراغ”، لا باعتباره اسما متداولا فحسب، بل باعتباره جزءا من غرفة إدارة القرار.
ينسجم هذا الخيار مع منطق يقول إن الحرب والاغتيال لا يحتملان تجريبا سياسيا، فالمطلوب مرشد يثبت الخط، ويحمي المؤسسة، ويمنع التصدع. غير أن التشدد الذي يمنحه قوة في لحظة الخطر قد يتحول إلى اختبار لاحق، إذا تحولت الحاجة من “التثبيت” إلى “الترميم”، ومن إدارة الصدمة إلى إدارة مجتمع مُنهك. فالتثبيت قد يحمي الدولة، لكنه لا يضمن تهدئة الشارع.
وفي النهاية، لا تُختصر الخلافة في اسم يعلو فوق الآخرين، بل في اسم يستطيع أن يجمع “البيت” و”الرمز” و”التهدئة” و”الإصلاح” و”المؤسسة” و”التثبيت”، أو أن يُدار بينهم بتسوية لا تُعلن كلها على الملأ.

محمد مهدي ميرباقري
إضافة إلى هؤلاء الستة يعتبر محمد مهدي ميرباقري من أبرز الوجوه والتيار المتشدد ضمن قائمة المرشحين المحتملين لخلافة المرشد الأعلى في إيران. هو رجل دين وفيلسوف له آراء مثيرة للجدل ويمثل الجناح الأكثر محافظة في المؤسسة الدينية .
يشغل ميرباقري حاليا منصب رئيس “أكاديمية قم للعلوم الإسلامية” ، وهو عضو في “مجلس خبراء القيادة”، حيث يمثل محافظة سمنان (وكان قد مثل محافظة البرز في الدورة السابقة) .
باختصار، محمد مهدي ميرباقري هو الصوت الأكثر راديكالية بين المرشحين. إذا أرادت النخبة الحاكمة اختيار من يمثل خط المواجهة الحاد مع الغرب واستمرار الثورة بكل تفاصيلها، فسيكون ميرباقري خيارهم الأمثل.
علي لاريجاني
وعلى الرغم من أنه ليس من رجال الدين المعممين يبرز اسم علي لاريجاني بقوة على الساحة كشخصية محورية في المرحلة الانتقالية التي تمر بها إيران بعد اغتيال المرشد الأعلى . هو ليس مجرد مرشح تقليدي، بل يُنظر إليه باعتباره “رجل الأزمة” و”صمام الأمان” الذي أوكل إليه قيادة البلاد في هذه الفترة العصيبة .
يشغل لاريجاني حاليا منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهو المنصب الذي أعيد تعيينه فيه في أغسطس 2025 ليكون في قلب إدارة الأزمة الحالية .
تمتلك عائلة لاريجاني نفوذًا استثنائيًا في النظام الإيراني، حيث وُصفت بأنها “النسخة الإيرانية من عائلة كيندي” . هذه الشبكة العائلية القوية تمنحه ثقلاً سياسياً هائلاً. والده آية الله العظمى ميرزا هاشم آملي، أحد كبار مراجع التقليد · شقيقه الأبرز صادق لاريجاني، الرئيس السابق للسلطة القضائية ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام حاليًا . وشقيقه الآخر محمد جواد لاريجاني، مستشار المرشد السابق في السياسة الخارجية .و زوجته ابنة المفكر الإسلامي البارز الشهيد مرتضى مطهري، أحد أيديولوجيي الثورة ومقربي الإمام الخميني .
يجمع لاريجاني من نقاط القوة ما يجعله مرشحًا فريدًا مقارنة بغيره، رغم التحديات التي تواجهه · ليس رجل دين بارزًا على عكس المرشحين الآخرين (كالخميني أو أعرافي)، هو ليس بآية الله، وهذا قد يشكل عائقًا نظريًا لمنصب “الولي الفقيه .تم استبعاده من الانتخابات الرئاسية مرتين، مما يشير إلى وجود تيار قوي يعارضه داخل النظام .
في المشهد الحالي، يُعتبر لاريجاني الخيار الأكثر توازنًا وبراغماتية لقيادة المرحلة الانتقالية، وقد يكون “رجل المرحلة” القادرة على توجيه سفينة النظام في ظل عاصفة التحديات الداخلية والخارجية .
بالمقارنة مع محمد مهدي ميرباقري الذي يمثل التيار الأكثر تشددًا وراديكالية، فإن علي لاريجاني يمثل خيارًا أكثر براغماتية ومؤسساتية. بينما يركز ميرباقري على الصراع الحضاري مع الغرب، يُعرف لاريجاني بقدرته على التفاوض وإدارة العلاقات الدولية المعقدة .
وعلى الرغم من هذه النخبة من المرشحين ،يبقى الإختيار لمجلس خبراء القيادة الذي يضم 88 عضوا ،وليس مستبعدا أن يخرج بمرشد أعلى من خارج هذا الصف ،ويشكل مفاجئة للجميع.



