رأي

واشنطن تقترب من موسكو: كأنّ أوروبا تدفع ثمن اعتراضها (عدنان جزيني)

 

كتب د. عدنان جزيني – الحوارنيوز

 

هل يعكس التقارب الأمريكي الأخير مع روسيا سعيًا لإنهاء الحرب الأوكرانية، أم إعادة ترتيب للمصالح الأمريكية على حساب أوكرانيا وأوروبا؟ وهل يمكن فصل هذا التحوّل عن استياء واشنطن من حلفائها الأوروبيين الذين اعترضوا على الانخراط في حربها على إيران؟

 

تفرض هذه الأسئلة نفسها مع اتفاق الديزل الروسي، الذي يهدف، وفق التبرير الأمريكي المعلن، إلى زيادة معروض الوقود وخفض الأسعار. فقد أثار الاتفاق اعتراضات أوروبية وعمّق التوتر مع كييف، بالتزامن مع ضغوط أمريكية لوقف الهجمات الأوكرانية على المنشآت النفطية الروسية. ومع إعفاءات من عقوبات جديدة، تبدو واشنطن مستعدة لمنح موسكو حوافز اقتصادية تحت عنوان تشجيع التفاوض، واضعةً أسعار الطاقة وحساباتها الداخلية في صلب مقاربتها .

 

وما أودّ قوله إن المشكلة لا تكمن في التفاوض مع موسكو، فالحروب تنتهي في نهاية المطاف باتفاقات وتسويات بين الخصوم، إنما تكمن في توزيع الضغوط والتنازلات: ماذا يعني أن تستفيد روسيا من تخفيف القيود الاقتصادية، بينما تُطالب أوكرانيا بتقليص وسائل الضغط التي تمتلكها، قبل الوصول إلى ضمانات واضحة لأمنها؟ أليس من شأن ذلك أن يغيّر ميزان التفاوض لمصلحة موسكو؟

 

أما أوروبا، فتواجه المأزق من جهتين: تخشى تسوية تأتي على حساب أوكرانيا وتنعكس على أمنها، وتتحمل في الوقت نفسه تداعيات حرب إيران على الطاقة والمعيشة.

 

ففي إيطاليا، ساهم ارتفاع أسعار الديزل في احتجاجات سائقي الشاحنات وتعطيل الإمدادات. وفي فرنسا، تداخلت الضغوط المعيشية مع مطالب التعليم والخدمات العامة، واتسعت الاحتجاجات وتخللتها أعمال عنف ونهب.  ⁠ 

 

لهذه الأحداث جذورها في الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية داخل أوروبا، لكن لا يمكن فصل تفاقمها عن تداعيات الحروب واضطراب أسواق الطاقة. ولا أعتقد أن الهجرة تقدّم تفسيرًا كافيًا لهذا الانفجار؛ فاختزال الأزمة فيها يتحول إلى استثمار أيديولوجي يصرف النظر عن أسبابها المعيشية والسياسية وعن مسؤولية السياسات المتّبعة في معالجتها.

 

وهنا يبرز السؤال الأساس عن «تأديب أوروبا». فهذا التعبير يستند إلى مؤشرات تتجاوز الانطباع؛ إذ نشرت رويترز في أبريل معلومات عن بحث خيارات داخل البنتاغون لمعاقبة حلفاء اعتبرتهم واشنطن غير متعاونين في حرب إيران، وأعلن ترامب لاحقًا احتمال سحب قوات من إيطاليا وإسبانيا. وهي شواهد على استعداد الإدارة لاستخدام العلاقة الأمنية للضغط على الحليف حين يعترض على خياراتها. ⁠

 

لا تتوافر في المعطيات المعروضة أدلة تثبت أن واشنطن أشعلت الاضطرابات الأوروبية. لكن سلوك الإدارة الأمريكية، وفتح أبواب التجارة والتفاهم مع روسيا، يمكن قراءتهما بوصفهما ضغطًا إضافيًا على أوروبا: فواشنطن تعيد ترتيب مصالحها مع موسكو، بينما تبقى الدول الأوروبية أمام تداعيات الحرب الأوكرانية ومسؤوليات دفاعية وأعباء اقتصادية متزايدة.

 

وهذا لا يثبت أن معاقبة أوروبا هي غاية التقارب مع روسيا، لكنه يجعل السؤال عن توظيف هذا التقارب لدفع الأوروبيين إلى إعادة حساباتهم سؤالًا مشروعًا.

 

وكأنّ أوروبا تُطالب اليوم بدفع كلفة اعتراضها على حرب إيران، وكلفة استمرار الحرب في أوكرانيا، بينما تحتفظ واشنطن بحق تعديل أولوياتها والتفاوض مع الخصوم وفق مصالحها.

 

لذلك، يتجاوز التحوّل الأمريكي حدود الخلاف مع كييف إلى سؤال أعمق عن معنى التحالف وحدود استقلال القرار الأوروبي. فأوروبا التي اعتمدت طويلًا على المظلة الأمريكية تجد نفسها أمام احتمال استخدام هذه المظلة أداةً لإعادة ضبط مواقفها. وكأنّ الرسالة تقول: يمكنكم الاعتراض على خيارات واشنطن، لكن عليكم أن تعيدوا حساباتكم حين تصبح مصالحكم نفسها جزءًا من الصفقة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى