رأي

في الذكرى 103 للجمهورية التركية: هل تتحول العلاقة بين بيروت وأنقرة إلى علاقة استراتيجية؟ (كولشان صغلام)

 

د. كولشان يوسف صغلام – الحوارنيوز

في التاسع والعشرين من تشرين الأول تحتفل تركيا بالذكرى الثالثة بعد المئة لإعلان جمهوريتها، وتستحضر أنقرة سردية الانتقال من إرث الإمبراطورية إلى منطق المؤسسات والسيادة. وهي مناسبة تصلح مدخلاً لسؤال يخص لبنان بقدر ما يخص تركيا: هل ما زال الجوار الإقليمي يُدار بعقلية المحاور، أم دخلت المنطقة مرحلة تُقاس فيها العلاقات بمنطق الدولة والمصالح المتبادلة؟ المشهد يرجّح الثاني.

لم تكن العلاقات اللبنانية التركية بمنأى عن تحولات الشرق الأوسط، وقد أعاد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 رسم البيئة المحيطة بالبلدين، وظهرت رغبة رسمية لبنانية في استئناف العلاقة الاقتصادية مع دمشق. غير أن التقارب الظرفي يقوم على توافق مصالح في لحظة معينة، أما الشراكة الاستراتيجية فتقوم على مؤسسات تضمن استمرار التعاون مهما تبدلت الحكومات.

وتقدم الأرقام أساساً ملموساً، فالصادرات التركية إلى لبنان بلغت نحو 1.17 مليار دولار عام 2025 مقابل واردات بنحو 132 مليون دولار، ونجاح العلاقة يُقاس بقدرتها على فتح الأسواق أمام المنتج اللبناني. وهنا تتضح مصلحة لبنان، فهو بموقعه وقطاعه الخاص وجاليته بوابة بين الأسواق العربية وتركيا وأوروبا، شرط أن يكون شريكاً في صياغة الاتفاقيات لا متلقياً لها، فالدولة التي لا تحدد مصلحتها بنفسها تُحدَّد لها من الخارج.

ويفرض ذلك الانتقال من منطق المحاور إلى منطق الدولة، فقد استُنزف لبنان طويلاً في استقطابات جعلت قراره ساحة لتنافس الآخرين، والأسلم اليوم انفتاح إيجابي على المحيط العربي وعلى الدول الفاعلة ومنها تركيا، تنويعاً للشراكات لا انحيازاً ضد أحد.

ويمكن للبنان أن يستفيد من التجربة النهضوية التركية لا بنسخها بل بقراءة دروسها. فبعد أزمة 2001 المالية أعادت تركيا هيكلة مصارفها وفرضت انضباطاً مالياً، فتضاعف دخل الفرد في عقدين، ونشأت صناعات محلية جعلت الصادرات رافعة للنمو. ورغم التضخم وتقلب العملة تبقى مرجعاً عملياً في هيكلة المصارف وإصلاح الكهرباء والشراكة بين القطاعين العام والخاص.

ولا بد هنا من دعوة صريحة وموضوعية إلى بعض القوى اللبنانية لقراءة الحقبة العثمانية بعين شاملة، بدلاً من اختزال تلك الفترة الطويلة في محطة جمال باشا وما رافقها من مآسي سفر برلك والمجاعة. فمع كامل الاحترام لذكرى الشهداء، إلا أن الإرث العثماني يزخر بصفحات تركت أثرها العميق في ثقافة البلاد وعمارتها وتنظيمها المؤسسي. ومن أبرز شواهد ذلك، المدارس الرسمية والأنظمة البلدية والسرايا الحكومية، وعلى رأسها السراي الكبير الذي يمثل اليوم المقر الرئيسي لرئاسة مجلس الوزراء. كما لا يمكن غض الطرف عن التشريعات الأساسية التي بُنيت عليها الدولة، وفي مقدمتها قانون الجمعيات الصادر عام 1909، والذي لا يزال حتى اليوم يُعد من أهم وأرقى القوانين المنظمة للعمل الأهلي والمجتمع المدني في لبنان.

وفي المقابل، ينطلق التعامل مع تركيا اليوم من واقعها كجمهورية مدنية حديثة نشأت عام 1923، وتتجلى المصلحة اللبنانية في الاستفادة منها في مجال الدولة المدنية وإرساء قانون مدني موحد للأحوال الشخصية يراعي التعددية الطائفية، بعيداً عن التدخل في الشؤون الداخلية.

أما سوريا الجديدة فهي الحلقة الأبرز، فهي تفصل بين لبنان وتركيا وتربطهما بمصالح تجارية، وإذا نجحت دمشق في ضبط المعابر ووضع قواعد واضحة للاستثمار صارت حلقة وصل بين الموانئ اللبنانية والمراكز الصناعية التركية، على أن يقوم التعاون على التدرج والاتفاقات الواضحة لا على افتراض أن الاستقرار تحقق.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة الاتفاقية الرباعية التي أعلنت بموجبها تركيا ولبنان وسوريا والأردن عام 2010 منطقة تجارة حرة قبل أن تعطلها الأزمة السورية. فلا ينبغي أن تبقى ذكرى في الأرشيف، بل تُحيى في مجلس أعلى مشترك بأمانة دائمة وجدول أعمال سنوي، يُفتح الانضمام إليه أمام العراق وغيره، فيحصل لبنان على موقع تفاوضي أقوى لا تتيحه الاتفاقات الثنائية.

ويستطيع لبنان أن يفيد من دور أنقرة في أبعد من الاقتصاد، فلديها خطوط اتصال مع واشنطن يمكن أن تفيد في الدفع نحو انسحاب إسرائيل من الجنوب، وقنوات مع طهران يمكن توظيفها في مقاربة سلاح حزب الله وحصره بيد الدولة، من دون أن تملك فرض نتائج، فالقرار سيادي لبناني. وتحتاج الشراكة إلى مجلس تعاون رفيع المستوى يحوّل مشاريع الربط الكهربائي والسككي عبر سوريا، التي بحثها سلام وأردوغان في أيلول 2026، إلى تنفيذ بدراسات جدوى وشفافية.

في المحصلة، تبقى أسئلة ثلاثة: هل المطلوب نسخ التجربة التركية؟ لا، بل الاستفادة من دروسها وفق خصوصية لبنان.

 هل تحل أنقرة مكان شركاء لبنان العرب والدوليين؟ لا، فالمقصود تنويع الشراكات.

وهل التحول الاستراتيجي تلقائي؟ كذلك لا، فهو يتطلب إرادة سياسية في العاصمتين وإطاراً مؤسسياً يتجاوز المبادرات المؤقتة.

ويبقى السؤال الأكبر: هل تكتفي بيروت وأنقرة بإدارة ملفات متفرقة، أم تبنيان مصالح مشتركة تجعل من شرق المتوسط فضاءً للاستقرار والتكامل؟

 *بالتزامن مع صحيفة “اللواء”

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى