سياسةمحليات لبنانية

هواجس ما بعد خنق الحراك!

محمد هاني شقير
يتفق اللبنانيون، كل اللبنانيين، أن الطبقة السياسية، ومن خلفها نظام سياسي متهالك، هما من أفلسا هذا البلد وجعلا الجوع يدق أبواب ما يعادل نصف شعبه، وبطبيعة الحال نصف وربما أكثر، ساكنيه من غير اللبنانيين. ولقد حانت الفرصة، وكانت جدًا مناسبة لاحداث تغييرٍ جديٍ ينقل لبنان من واقعه هذا الى مرحلةٍ أكثر أمانًا تمهد، لو أرادوا، لوضع أسس سياسية وميثاقية جديدة ومتطورة من شأنها أن تساهم في بناء دولة حديثة تدغدغ أحلام اللبنانيين عمومًا وشبابهم خصوصًا.

هذه الفرصة، خنقت في مهدها، بل إن السلطة ذاتها عمّقت الجرح وبالغت في غيّها ووقفت سدًا منيعًا في وجه طموحات شعبها _ من كانوا في الشوارع ومن هم في البيوت، فكلهم كانوا، يأملون ببناء دولة حقيقية ولا زالوا_ ومارست شتى أنواع المراوغة، برغم علمها جيدًا أنها بسلوكها هذا تميتُ الوطن. وإن أفضل من وصّف هذه الظاهرة وأعطاها تفسيرًا علميًا، هو الزميل محمد نزال فكتب منذ بداية الانتفاضة:" لو سرقوا أقل لكان الوضع اختلف، لقد سرقوا بجنون، كانوا مثل البكتيريا الغبية، يقال إن البكتيريا الذكية تأكل من الجسد فتأخذ حاجتها ولكنها لا تفني الجسد تمامًا لا تقتله، تعرف بطريقة ما ان نهايته هي نهايتها، سياسيو لبنان كانوا جراثيم غبية".
إذن، لم ينتهزوا فرصة هبوب رياح الناس ودعوتهم للتغيير، ونجحوا، كل من موقعه، في كسرهم وتحويلهم، مع الوقت، الى أشلاء شعبوية ممزقة تائهةً في شوارع طرابلس وبيروت وصيدا، ولا فعالية لهم سوى القليل من الأصوات المرتفعة التي ليس بمقدورها أن تهز صمت المدينة. المدينة التي أشر زلزالها في الرابع من آب الى استجلاب وصاية جديدة، افرنجية هذه المرة.
مؤشران خطيران بدءا يلوحا في الأفق، وليس بمقدورنا أن نعرف جميع تفاصيلهما، ولكنهما فعلا فعلهما في الطبقة السياسية اللبنانية.
فانفجار المرفأ_ الزلزال، أحدث هلعًا كبيرًا في أذهان جميع اللبنانيين، وكان لتدخل ايمانويل ماكرون، مدعومًا بتفاهمات دولية، تأثير جبري بدا على جميع السياسيين الذين أودعهم أوامره فمشى بما اتفقوا عليه خارجيًا وكانوا، هنا، رهن إرادته. ربما لهذا السلوك الاذلالي انعكاس ايجابي على حالة لبنان العصيبة! أفلم يقول المثل: رب ضارةٍ نافعة!
أما المؤشر الأكثر خطورة، والذي لا يبدو أنه بعيد عن الهجمة السياسية الفرنسية، فهو يكمن في ما جرى من تقارب بين الامارات العربية المتحدة واسرائيل، وهو، إذا ما تطور باتجاه تطويع كل عرب الخليج، سيساهم، على الأرجح، في تغيير وظيفة لبنان الاقتصادية. ألم يستفد لبنان من كون فلسطين المحتلة هي الشريك الجغرافي الوحيد في الشواطىء البحرية الغربية للمنطقة!؟ فمنذ الاحتلال الصهيوني لفلسطين ولبنان يشكل الممر الاقتصادي البري الذي يربط اوروبا بالخليج، وشكل، بهذا المعنى، عاصمةً اقتصادية ومصرفية مهمة للمنطقة. فهل ستتمكن الدولة العبرية من سرقة وظيفة مرفأ بيروت لصالح مرفأ حيفا؟
طبعًا هناك قضايا أخرى حركت تلك المبادرة الفرنسية، وهي قضايا تعنيها مباشرةً لجهة صراعها مع تركيا ومحاولة هذه الأخيرة ابتزاز فرنسا كما كانت تبتز دولاً اوربية أخرى، عبر تهريب المهاجرين السوريين وبشكل خاص المتطرفين وتحويلهم الى قنابل موقوتة جاهزة للاستخدام بغية إقلاق راحة المجتمعات الغربية، وتوجيه رسائل تركية وربما اميركية ضد اوروبا عندما يحتاحونهم لتنفيذ تلك الرسائل، عدا عن ما تقوم به تركيا في الدول الافريقية المحسوبة على فرنسا تاريخيًا.
غير أن هناك مسألة لافتة وخطيرة، ولا بد من أن تجيب السلطة السياسية الجاري تركيبها، عن سؤال يدور في فلكها، بدأ يتسلل الى مسامع اللبنانيين ويقض مضاجعهم، وهو، إذا ما استثنينا موضوع المقاومة تأسيسًا على ما باح به ماكرون نفسه وكان واضحًا فيه، يتعلق بالثروة النفطية واللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين. فهل ستتقاسم الشركات الغربية ثروة لبنان النفطية مقابل منحه أوكسيجن مالي من سيدر وصندوق النقد الدولي؟ وبالتالي تصبح إستفادة لبنان من نفطه تساوي حصة شركة من شركات التنقيب؟! وهل ستصبح مسألة توطين الفلسطينيين والسوريين معهم، قضية جدية؟ وبالتالي تفكيك القضية الفلسطينية عبر فك ارتباطها مع محيطها لتصبح فلسطين معزولة ومحكومة، جبريًا، بحلول لن يكون بمقدور الشعب الفلسطيني رفضها؟!
تلك هي الأسئلة/ الهواجس التي تشغل اللبنانيين في هذا البازل الجاري تركيبه راهنًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى