رأي

نواف سلام والخيار الأقل كلفة: هل تشتري الدولة الوقت بأرض الجنوب؟ (وليد بركات)

 

كتب وليد بركات – الحوارنيوز

 

في كلمته مساء 30 أيار 2026، قدّم رئيس الحكومة نواف سلام تشخيصاً قاسياً لواقع الجنوب: “سياسة الأرض المحروقة، تدمير ممنهج، محو للتاريخ”. وصف لا يحتمل التأويل، ويوثّق الجريمة كما هي.

 

لكن المشكلة لم تكن بالتشخيص. المشكلة كانت بالوصفة. فالوصفة التي قدّمها سلام كانت كلمة واحدة تكررت كالمطرقة: “المفاوضات”. المفاوضات هي “الخيار الأقل كلفة”. المفاوضات هي الطريق “الأنسب”. المفاوضات هي ما اختارته الدولة.

 

وهنا يبدأ النقاش: الأقل كلفة على من؟ وبأي ثمن؟

 

مفاوضات تحت النار ليست مفاوضات

 

سلام قالها صراحة: “هل المفاوضات مضمونة النتائج؟ بالتأكيد لا”. وأقرّ أن جولتها المقبلة تجري في واشنطن، بينما إسرائيل تواصل تدمير القرى وتوسيع احتلالها لخمس تلال جنوبية.

 

هذه ليست مفاوضات بين طرفين متكافئين. هذا استماع للشروط بينما الدبابات تتحرك. عندما تطلب “انسحاباً كاملاً” وانت على طاولة صنعها الأميركي ويديرها الإسرائيلي، فأنت لا تفرض شروطك. أنت تنتظر ما سيُمنح لك.

 

“الأقل كلفة” اليوم قد تكون الأغلى غداً. كلفة تثبيت الاحتلال، كلفة تحويل الجنوب إلى “منطقة عازلة” دائمة، كلفة الاعتراف الضمني بأن الدولة لا تحمي أرضها إلا بتوقيع من الخارج.

 

“لسنا صندوق بريد”… فماذا نحن؟

 

أقوى جملة في الخطاب كانت: “مصممون على حماية بلدنا بما يحول دون تحويل لبنان لصندوق بريد لرسائل إقليمية”. 

 

شعار سيادي يهز الوجدان. لكنه يصطدم بواقع الجولة التاسعة في واشنطن. إذا كنا لسنا “صندوق بريد”، فهل قبلنا أن نكون “طاولة مفاوضات” تُرسم حدودنا عليها بأقلام غيرنا؟

 

عبارة “قرار الحرب والسلم بيد الدولة” تكررت 3 مرات. لكن السؤال الذي تهرب منه الرسالة: ما هي أدوات الدولة لفرض هذا القرار؟ الجيش ممنوع من جنوب الليطاني، والسيادة تُنتهك يومياً، والرد هو “المفاوضات لن تكون قصيرة”.

 

سقف عالٍ من المطالب… بلا سلم للوصول

 

حدد سلام 4 خطوط حمر لا خلاف عليها: انسحاب كامل، أسرى، إعمار، عودة نازحين. مطالب كل لبناني.

 

لكن الخطاب خلا من أي ورقة ضغط. لا تصعيد دبلوماسي، لا تهديد بالخيارات، لا حتى كلمة “إذا فشلت المفاوضات فسن…” . الجملة الوحيدة كانت: “إسرائيل لن تكسب أمنها بالتدمير”. 

 

جملة صحيحة أخلاقياً، عاجزة ميدانياً. فإسرائيل تكسب أرضاً بالتدمير كل يوم، ولا أحد يوقفها.

 

الخلاصة: شراء الوقت أم بيع السيادة؟

 

نواف سلام اختار أن يكون “مدير الأزمة” الصادق مع الناس، لا “صانع الوهم”. وهذا يُحسب له. حاول أن يقول للحكومة والمجتمع: لا نملك رفاهية الحرب، فلنختر الأقل خسارة.ولكن ما هو البديل إذا فشلت المفاوضات وهي كذلك حتى الان فلماذا لا تكون صادقا ايضا مع الناس وتعلن انسحاب الدولة اللبنانية منها او على الأقل تهدد بالانسحاب لأنها باتت اليوم تشكّل غطاءا لهذا التمادي و التوحش الاسرائيلي في الجنوب والبقاع الغربي .

 

 ان التاريخ اللبناني  يا دولة الرئيس يعلّمنا درساً مراً: الوقت الذي تشتريه من العدو، تدفع ثمنه من أرضك. و”الأقل كلفة” إذا تحولت إلى عقيدة دائمة، تتحول مع الوقت إلى استسلام منظم.

 

الجنوب اليوم يدفع الثمن نقداً: بيوت، أرواح، تاريخ. والسؤال الذي تركته رسالة الرئيس بلا جواب هو الأخطر: إذا كانت هذه هي “الأقل كلفة”، فماذا أبقينا لندفعه غداً؟

 

الوقت الذي تشتريه اليوم، قد تكتشف لاحقاً أنك اشتريته بأرضك!

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى