العالم العربيتقريرسياسة

من القاعدة العسكرية إلى الشراكة: ما الذي يكشفه تسليم بعشيقة عن نظام عراقي-تركي يتغيّر؟ (كولشان صغلام)

 

 

بقلم كولشان يوسف صغلام* – الحوارنيوز

في 23 أيلول/سبتمبر 2026، اتفق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، خلال اجتماعهما في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، على تسليم معسكر بعشيقة-زيلكان إلى الحكومة الاتحادية العراقية بصورة تدريجية، وفق آلية وجدول زمني متفق عليه، توازيا مع انسحاب القوات . وربط البيان المشترك هذه الخطوة بالتقدم الذي يحرزه العراق في إعادة تثبيت سلطة الدولة في العراق لاسيما سنجار وإنهاء وجود العناصر المسلحة الأجنبية المحظورة هناك، بالتوازي مع الاتفاق على توسيع التجارة والاستثمار وتسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع طريق التنمية المستدامة.

قد يبدو هذا التطور، للوهلة الأولى، متعلقاً بموقع عسكري محدد وبترتيبات الانسحاب وإعادة الانتشار. إلا أن دلالته السياسية والأمنية أوسع من ذلك بكثير. فبعشيقة لم تكن مجرد قاعدة عسكرية؛ فقد أصبحت منذ إنشاء الوجود العسكري التركي فيها عام 2015 إحدى أكثر نقاط الاحتكاك وضوحاً بين مفهوم السيادة العراقية والحسابات الأمنية التركية. ومن هنا يطرح التطور ثلاثة أسئلة مترابطة: هل يمثل تسليم القاعدة خطوة في إعادة بناء الدولة العراقية وقدرتها على احتكار القرار الأمني؟ وهل يعكس في الوقت نفسه تحولاً في المقاربة التركية للأمن الإقليمي، في ضوء مسار «تركيا خالية من الإرهاب»؟ وهل نحن أمام تحول أوسع في المنطقة من إدارة الأمن عبر وجودات عسكرية وجماعات مسلحة إلى ترتيبات تقوم بصورة أكبر على منطق الدولة والتعاون بين المؤسسات الرسمية؟

هذه الأسئلة لا تجعل من تسليم بعشيقة نهايةً لمسألة أمنية، بل قد تجعله مؤشراً على إعادة تعريف العلاقة العراقية-التركية بكل ابعدها.

أولاً: العراق واختبار الدولة

البعد الأول عراقي بامتياز. فالمسألة الأساسية ليست فقط خروج قوات أجنبية من موقع عسكري، بل قدرة الدولة العراقية على أن تصبح الجهة التي تُدار من خلالها الملفات الأمنية على كامل أراضيها. وقد ربط الاتفاق التركي–العراقي تسليم بعشيقة بالتقدم في الإجراءات الأمنية العراقية وبإعادة بسط سلطة الدولة في سنجار. وهذا الربط مهم لأنه ينقل مفهوم السيادة من مستوى المطالبة السياسية إلى مستوى القدرة المؤسسية.

السؤال الأهم هنا ليس هل تستعيد بغداد موقعاً عسكرياً؟ بل: هل تستطيع الدولة أن تفرض إطاراً واحداً للقرار الأمني، بحيث لا تبقى مناطق عراقية خاضعة لترتيبات أمنية متوازية أو لوجود جماعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة؟

إذا نجح العراق في ذلك، فإن أهمية التجربة تتجاوز بعشيقة وسنجار. فالعراق قد يقدم نموذجاً لدولة تحاول الانتقال من إدارة التعدد الأمني إلى توحيد القرار الأمني ضمن مؤسسات الدولة، من دون أن يعني ذلك إلغاء خصوصيات المجتمعات المحلية أو تجاهل التعقيدات السياسية. ومن هذه الزاوية، تكتسب التجربة أهمية لدول عربية أخرى تواجه سؤالاً مشابهاً حول العلاقة بين الدولة والسلاح، ومن بينها لبنان.

لكن النجاح لا يقاس بالإعلانات. فالتحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ، وفي قدرة المؤسسات العراقية على الحفاظ على الترتيبات الأمنية بعد انتقال المسؤوليات، وفي بناء ثقة مستدامة بين بغداد والمكونات المحلية. ولذلك، فإن بعشيقة يمكن أن تكون اختباراً لمدى قدرة العراق على تحويل مفهوم السيادة إلى ممارسة مؤسسية مستمرة.

ثانياً: تركيا وتحول المقاربة الأمنية

البعد الثاني يرتبط بالتحولات داخل السياسة التركية نفسها. فأنقرة لا تنظر إلى شمال العراق بمعزل عن أمنها القومي، وقد ظل وجود حزب العمال الكردستاني     PKK) )  في شمال العراق أحد الملفات الرئيسية في العلاقات التركية–العراقية. وفي الوقت نفسه، تتقدم في تركيا خلال  مقاربة رسمية تحت عنوان «تركيا خالية من الإرهاب» و«منطقة خالية من الإرهاب»، بالتوازي مع مسار سياسي وأمني يستهدف إنهاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني.)

إذا استمر هذا المسار، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف ستتغير وظيفة الوجود العسكري التركي خارج الحدود إذا تراجع التهديد الذي كان يبرر جزءاً منه؟

لا يعني تسليم بعشيقة أن تركيا أنهت وجودها العسكري في العراق؛ فما زالت لديها مواقع عسكرية أخرى في شمال البلاد. كما أن البيان التركي–العراقي لم يربط جميع أشكال الوجود العسكري التركي بجدول انسحاب شامل. لذلك، من الأدق قراءة الخطوة بوصفها إعادة صياغة تدريجية للعلاقة الأمنية، وليس خروجاً تركياً كاملاً من العراق.

وهنا تظهر أهمية العودة إلى مفهوم «صفر مشاكل مع الجوار»، ولكن بصورة مختلفة عن نسخته الأولى. فالمعادلة الحالية لا تعني غياب المصالح أو التهديدات، وإنما البحث عن إدارة أكثر مؤسسية للخلافات، بحيث لا تتحول الحدود إلى مساحة دائمة للاحتكاك. وإذا تزامن ذلك مع تقدم حقيقي في مسار نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، فقد تتراجع الحاجة إلى أن يكون الوجود العسكري المباشر هو الأداة الرئيسية لإدارة العلاقة الأمنية.

 

ثالثاً: الإقليم والتحول نحو منطق الدولة

البعد الثالث يتجاوز بغداد وأنقرة. فالمنطقة تشهد إعادة ترتيب في مفهوم الأمن نفسه. ومع تراجع بعض أشكال الوجود العسكري الأجنبي، وتنامي الحديث عن ترتيبات إقليمية تقودها دول المنطقة، يصبح السؤال المركزي: هل تتجه المنطقة تدريجياً نحو نظام أمني تكون فيه الدولة هي الوحدة الأساسية للعلاقات الأمنية، بدلاً من الاعتماد المستمر على جماعات مسلحة أو ترتيبات خارج الأطر الرسمية؟

من هذه الزاوية، يمكن فهم بعشيقة ضمن اتجاه أوسع نحو «منطق الدولة». والمقصود ليس اختفاء الفاعلين غير الحكوميين فوراً، بل انتقال مركز الثقل تدريجياً إلى المؤسسات الرسمية: الدولة العراقية في العراق، والمؤسسات التركية في تركيا، وعلاقات ثنائية وإقليمية تقوم على التفاوض والاتفاقات الحكومية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية في ضوء التحولات في بنية التعاون الأمني الإقليمي. فقد أصبحت تركيا والسعودية وباكستان أطرافاً في «اتفاق مكة للدفاع المشترك» الذي أُعلن في آب 2026، كما بدأت آلياته المؤسسية بالعمل في إسطنبول في نهاية الشهر نفسه. وقد صرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن الاتفاق يمثل بداية لمسار جديد في بنية الأمن والتعاون الإقليمي. 

في هذا السياق، يمكن طرح احتمال مستقبلي، لا باعتباره نتيجة مقررة، وهو أن تدعو تركيا العراق إلى الانخراط في أطر أمنية إقليمية جديدة أو إلى بناء صيغ تعاون مرتبطة بها. غير أن أي انضمام عراقي محتمل سيكون مسألة سياسية وقانونية مستقلة، ويحتاج إلى تقييم بغداد لمصالحها والتزاماتها الإقليمية. الأهم أن النقاش نفسه يكشف عن تغير في طبيعة الأمن الإقليمي: من الاعتماد على الوجود العسكري المباشر إلى البحث عن أطر تعاون دفاعي ومؤسسي بين الدول.

رابعاً: من التعاون الأمني إلى الشراكة السياسية والاقتصادية

إذا كان الأمن هو نقطة الانطلاق، فإن استمرار العلاقة العراقية التركية لا ينبغي أن يتوقف عنده. فالبيان المشترك الصادر في 23 أيلول وضع التجارة والاستثمار وتنفيذ الاتفاقيات القائمة وتسريع مشروع طريق التنمية في صلب التفاهم بين الطرفين. وهذا يعكس إدراكاً بأن الاستقرار الأمني يصبح أكثر قابلية للاستمرار عندما تدعمه مصالح اقتصادية مشتركة.

وهنا يبرز طريق التنمية باعتباره أكثر من مشروع بنية تحتية. فهو يمكن أن يشكل إطاراً لإعادة تعريف العلاقة بين العراق وتركيا، من علاقة تتأثر بدرجة كبيرة بالملفات الأمنية والحدودية إلى علاقة ترتبط بالتجارة والنقل والصناعة والاستثمار وسلاسل الإمداد

كما تبرز الصناعة بوصفها مجالاً مهماً في هذه الشراكة. فتركيا راكمت خلال عقود خبرة واسعة في التصنيع والتصدير والمقاولات وتطوير قاعدة من الشركات الصغيرة والمتوسطة، بينما يحتاج العراق إلى تنويع اقتصاده وتقليل اعتماده على النفط. ولذلك يمكن أن تتجه المرحلة المقبلة، إذا توفرت البيئة السياسية والأمنية المناسبة، نحو شراكات صناعية ونقل للخبرات والاستثمار في قطاعات الإنتاج والبنية التحتية والخدمات.

ولا يقل عن ذلك أهمية ملفا المياه والطاقة. فالتنمية المستدامة لا يمكن فصلها عن إدارة الموارد المائية والطاقة والنقل. وكلما أصبحت هذه الملفات جزءاً من بنية التعاون الثنائي، ازدادت قدرة العلاقة على الاستمرار بعيداً عن منطق الأزمات الأمنية وحده.

آفاق أوسع: هل يمكن أن يصبح العراق نموذجاً؟

لا ينبغي التعامل مع التجربة العراقية-التركية باعتبارها وصفة قابلة للنسخ في دول أخرى. لكل دولة تاريخها وتركيبتها السياسية والاجتماعية والأمنية. لكن يمكن أن تقدم التجربة مجموعة من المبادئ القابلة للدراسة: التدرج، المعاملة بالمثل، التفاوض بين المؤسسات الرسمية، ربط الترتيبات الأمنية بمصالح اقتصادية، وبناء الثقة من خلال خطوات قابلة للتحقق.

ومن هنا يمكن أن تكون الحالة العراقية ذات دلالة خاصة بالنسبة إلى لبنان، حيث لا يزال سؤال حصرية قرار الدولة في المجال الأمني والسياسي من أكثر الأسئلة حساسية. وإذا استطاع العراق أن يثبت أن استعادة سلطة الدولة يمكن أن تسير بالتوازي مع إعادة بناء علاقات إيجابية مع الجوار وتوسيع المصالح الاقتصادية، فقد يصبح ذلك مادة مهمة للنقاش اللبناني، مع ضرورة احترام اختلاف السياقات وعدم إسقاط التجربة بصورة آلية.

في الخلاصة من إدارة الأمن إلى بناء المصالح

تسليم بعشيقة-زيلكان، إذا نُفذ وفق الآلية المتفق عليها، قد يكون أكثر من إعادة ترتيب لوجود عسكري. إنه اختبار مزدوج: للعراق في قدرته على تثبيت سلطة الدولة، ولتركيا في قدرتها على الانتقال تدريجياً من إدارة بعض الملفات الأمنية عبر الانتشار العسكري إلى إدارة المصالح من خلال مؤسسات الدولة والتعاون الإقليمي

وستبقى ثلاثة عوامل حاسمة في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة: قدرة بغداد على توحيد القرار الأمني على أراضيها، مدى نجاح مسار نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وإنهاء الصراع المسلح، وقدرة أنقرة وبغداد على تحويل التفاهمات الأمنية إلى شراكة سياسية واقتصادية وصناعية مستدامة.

إذا تحققت هذه الشروط، فقد يصبح معنى بعشيقة أوسع من القاعدة نفسها: انتقال تدريجي من إدارة العلاقة العراقية-التركية عبر الوجود العسكري والملفات الأمنية، إلى بنائها عبر الدولة والمصالح المشتركة والتنمية. المستدامة.

 

 * أكاديمية وباحثة

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى